أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مَعْنَى لتخصيص كتاب دون كِتَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّوْرَاةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُوَافِقُ التَّوْرَاةَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ أَنَّ شَرَائِعَ الْقُرْآنِ مُخَالِفَةٌ لِشَرَائِعِ سَائِرِ الْكُتُبِ، فَلِمَ صَارَ بِأَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لَهَا لِكَوْنِهَا مُتَوَافِقَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَنُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ غير مصدق لها؟
قُلْنَا: الشَّرَائِعُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا سَائِرُ الْكُتُبِ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ وَمُنْتَهِيَةً فِي هَذَا الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْكُتُبِ اخْتِلَافٌ فِي الشَّرَائِعِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : وَلِمَ خَصَّ كَوْنَهُ (هُدًى وَبُشْرَى) بِالْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُلِّ؟
الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالكتاب فهو كقوله تَعَالَى: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ بُشْرَى إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبُشْرَى عِبَارَةٌ عَنِ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى حُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِهَذَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ.
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ(99)