قُلْنَا: التَّمَنِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مَا يَظْهَرُ مِنْهُ كَمَا أَنَّ الْخَبَرَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مَا يَظْهَرُ بِالْقَوْلِ وَالَّذِي فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَيْضًا فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ مَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ بِذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ سَادِسًا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَا وُجِدَ التَّمَنِّي؟
قُلْنَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَثْبُتُ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذَا التَّمَنِّي يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الرَّأْيِ وَالْحَزْمِ وَحُسْنِ النَّظَرِ فِي الْعَاقِبَةِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَنْصِبِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَالْوُصُولِ إِلَى الرِّيَاسَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي انْقَادَ لَهَا الْمُخَالِفُ قَهْرًا وَالْمُوَافِقُ طَوْعًا لَا يَجُوزُ وَهُوَ غَيْرُ وَاثِقٍ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ بِالْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ بِأَمْرٍ لَا يَأْمَنُ عَاقِبَةَ الْحَالِ فِيهِ وَلَا يَأْمَنُ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يَقْهَرَهُ بِالدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ لِأَنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ لَا يَكَادُ يَرْضَى بِذَلِكَ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي أَعْقَلِ الْعُقَلَاءِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَقْدَمَ عَلَى تَحْرِيرِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ.