السؤال الأول: فَإِنْ قِيلَ [1] : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَالِصَةً لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، قَوْلُهُ لَأَنَّ نَعِيمَ الْآخِرَةِ مَطْلُوبٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْمَوْتِ وَالَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا؟
قُلْنَا: الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مَكْرُوهًا نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ وَالْمَوْتُ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْآلَامِ الْعَظِيمَةِ وَمَا كَانُوا يُطِيقُونَهَا فَلَا جَرَمَ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْلِبُوا هَذَا السُّؤَالَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُوا: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ دُونَ مَنْ يُنَازِعُكَ فِي الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَارْضَ بِأَنْ نَقْتُلَكَ وَنَقْتُلَ أُمَّتَكَ، فَإِنَّا نَرَاكَ وَنَرَى أُمَّتَكَ فِي الضُّرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَلَاءِ الْعَظِيمِ بِسَبَبِ الْجِدَالِ وَالْقِتَالِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّكُمْ تَتَخَلَّصُونَ إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَرْضَوْا بِقَتْلِكُمْ!
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَالِصَةٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَأَمَّا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُخَلَّدًا فِي النَّارِ أَبَدًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَعِيدِيَّةً أَوْ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِي صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ أَنَّ يَصِيرَ مُعَذَّبًا فَلِأَجْلِ هَذَا مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا السُّؤَالَ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّهُ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْقِيَامَةِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً بِحَسَبِ الْعَدَدِ لَكِنَّهَا طَوِيلَةً بِحَسَبِ الْمُدَّةِ فَلَا جَرَمَ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ بِسَبَبِ هَذَا الْخَوْفِ.