وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ ذَمَّهُمْ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ لَقَالُوا: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ يَقْتُلُهُمْ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: الْقَتْلُ الصَّادِرُ مِنَ اللَّهِ قَتْلٌ بِحَقٍّ وَمِنْ غَيْرِ اللَّهِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : قَالَ هَاهُنَا: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ذَكَرَ (الْحَقَّ) بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَعْرِفَةً، وَقَالَ فِي آلِ عِمْرَانَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) نَكِرَةً، وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ لَيْسُوا سَواءً) [آلِ عِمْرَانَ: 112، 113] فَمَا الْفَرْقُ؟
الْجَوَابُ: الْحَقُّ الْمَعْلُومُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَتْلَ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ، «كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» ، فَالْحَقُّ الْمَذْكُورُ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا، وَأَمَّا الْحَقُّ الْمُنْكَرُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْكِيدُ الْعُمُومِ أَيْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَقٌّ لَا هَذَا الَّذِي يَعْرِفُهُ المسلمون ولا غيره ألبتة.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِيمَانِ فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا غَيْرَ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي قوله تَعَالَى:(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) وَنَظِيرُهُ فِي الْإِشْكَالِ قَوْلُهُ تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النِّسَاءِ: 136] .
فَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ ذَكَرُوا وُجُوهًا، أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.