وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْمَاءِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَا تبالغوا في التنازع والله أعلم.
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا ... ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ(61)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِي النَّوْعِ بل أنه واحد في النهج وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: إِنَّ طَعَامَ فُلَانٍ عَلَى مَائِدَتِهِ طَعَامٌ وَاحِدٌ إِذَا كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ نَهْجِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
فِيهِ سُؤَالَاتٌ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (يَكْفُرُونَ) دَخَلَ تَحْتَهُ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ فَلِمَ أَعَادَ ذِكْرَهُ مَرَّةً أُخْرَى؟
الْجَوَابُ: الْمَذْكُورُ هَاهُنَا الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجَهْلُ وَالْجَحْدُ بِآيَاتِهِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؟
الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْبَاطِلِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِأَنَّ الْآتِيَ بِهِ اعْتَقَدَهُ حَقًّا لِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ وَقَدْ يَأْتِي بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ بَاطِلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَقْبَحُ فَقَوْلُهُ: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَيْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ كان ذَلِكَ الْقَتْلُ حَقًّا فِي اعْتِقَادِهِمْ وَخَيَالِهِمْ بَلْ كَانُوا عَالِمِينَ بِقُبْحِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوهُ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا التَّكْرِيرَ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ كَقوله تَعَالَى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) [الْمُؤْمِنُونَ: 117] وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِمُدَّعِي الْإِلَهِ الثَّانِي بُرْهَانٌ.