«فَإِنْ قِيلَ» : فَلَمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْوَاعَ جَمِيعِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَكَانَ فِي الْمُسَمَّيَاتِ مَا لَا يَكُونُ عَاقِلًا، فَلِمَ قَالَ عَرَضَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا؟
قُلْنَا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي جُمْلَتِهَا الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَهُمُ الْعُقَلَاءُ، فَغُلِّبَ الْأَكْمَلُ، لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِتَغْلِيبِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ كُلَّمَا غَلَّبُوا.
«فَإِنْ قِيلَ» : الْإِيمَانُ هُوَ العلم، فقوله تَعَالَى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَكَيْفَ قال هاهنا: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ لَيْسَ إِلَّا لِي وَأَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَايَ فَهُمْ خَالُونَ عَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟
وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) .
(فصل: من نكات العلم)
وَأَمَّا النُّكَتُ فَمِنْ وُجُوهٍ:
«أ» الْمَعْصِيَةُ عِنْدَ الْجَهْلِ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا وَعِنْدَ الشَّهْوَةِ يُرْجَى زَوَالُهَا، انْظُرْ إِلَى زَلَّةِ آدَمَ فَإِنَّهُ بِعِلْمِهِ اسْتَغْفَرَ، وَالشَّيْطَانُ غَوَى وَبَقِيَ فِي غَيِّهِ أَبَدًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ
«ب» إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا صَارَ مَلِكًا احْتَاجَ إلى وزير فَسَأَلَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَا تَخْتَرْ إِلَّا فُلَانًا فَرَآهُ يُوسُفُ فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ لِجِبْرِيلَ إِنَّهُ كَيْفَ يَصْلُحُ لِهَذَا الْعَمَلِ مَعَ سُوءِ حَالِهِ فَقَالَ جِبْرِيلُ إِنَّ رَبَّكَ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ لأنه كان ذب عنك حيث قال: (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [يُوسُفَ: 27]
وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الَّذِي ذَبَّ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَحَقَّ الشَّرِكَةَ فِي مَمْلَكَتِهِ فَمَنْ ذَبَّ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ بِالْبُرْهَانِ الْمُسْتَقِيمِ كَيْفَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ الْإِحْسَانَ وَالتَّحْسِينَ