أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا بَنِي آدَمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ الْغِيبَةُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِشْكَالِ فِي خَلْقِ بَنِي آدَمَ إِقْدَامُهُمْ عَلَى الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ، وَمَنْ أَرَادَ إِيرَادَ السُّؤَالِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَحَلِّ الْإِشْكَالِ لَا لِغَيْرِهِ فَلِهَذَا السَّبَبِ ذَكَرُوا مِنْ بَنِي آدَمَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وَمَا ذَكَرُوا مِنْهُمْ عِبَادَتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الْإِشْكَالِ.
أَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُمْ مَدَحُوا أَنْفُسَهُمْ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُجْبَ وَتَزْكِيَةَ النَّفْسِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَدْحَ النَّفْسِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضُّحَى: 11] وَأَيْضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ لَيْسَ الْمُرَادُ مَدْحَ النَّفْسِ، بَلِ الْمُرَادُ بَيَانُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَا أَوْرَدْنَاهُ لِنَقْدَحَ بِهِ فِي حِكْمَتِكَ يَا رَبِّ فَإِنَّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنَعْتَرِفُ لَكَ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ فَكَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُمْ مَا أَوْرَدُوا السُّؤَالَ لِلطَّعْنِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ.
بَلْ لِطَلَبِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا يُشْبِهُ الِاعْتِذَارَ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ الذَّنْبِ، قُلْنَا نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ لَا يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤَالَ، فَلَمَّا تَرَكُوا هَذَا الْأَوْلَى كَانَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارُ اعْتِذَارًا مِنْ تَرْكِ الْأَوْلَى
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) [الْأَنْبِيَاءِ: 27] فَهَذَا السُّؤَالُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانُوا مَأْذُونِينَ فِي هَذَا السُّؤَالِ فَكَيْفَ اعْتَذَرُوا عَنْهُ؟
قُلْنَا الْعَامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّخْصِيصُ.