أم حسبتم أن تشتروا الجنة لتسكنوها خالدين فيها ولم تفعلوا أفعال الأمم الماضية فيما دفعت إليه هي وأنبياؤها صلوات الله عليهم وسلامه من قتال الكفار من الشدة والمضرة والانزعاج عن المواطن، حتى استعجلوا النصر لما استنفدوا الصبر، أعلمهم الله أن نصره قريب من أوليائه غير بعيد عن حزبه، فكذلك حالكم إذا عرفتم حالهم وعاقبة أمرهم وما لهم، ومعنى قوله: {تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} وما يليه في قوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} فكان في ذكر ذلك شحذا لبصائرهم في الجهاد وحملهم على الاقتداء بفرق الصلاح وأمم الأنبياء قبلهم، وتأنيس لهم بالصبر على ما حل بهم، حتى حمدوا عاقبة أمرهم. وأما الآية الثانية في سورة آل عمران وهي: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} فهي خطاب للمسلمين الذين نالهم من قتال المشركين جراحات، قال فيها: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} فقال: أم حسبتم أن تنالوا الجنة ولما تجاهدوا الأعداء من الكفار، فيعلم الله ذلك منكم، ولما تصبروا صبرا زائدا على صبرهم فيرى ذلك من فضلكم عليهم، فإن الجنة لمن فعل ما أمر الله به في الوقت من قتال أهل الكفر وتوطينهم النفس فيه على الصبر، فيخف عليه ما يجد من الألم بما تحقق من الفوز في الآجلة والعاجلة، والحالة