يحصره بإدراك له عما لا يدركه، لذلك جاز أن يقول: يعلم الله كذا، ولا يجوز أن يقول يعقل الله كذا لأن العقل يشد، والعاقل الذي يحبس نفسه عما تدعو إليه الشهوات، ولا شهوة لله تعالى فيحتبس عنها، فلذلك لا يقال لله عاقل، فيقال: عقل فلان الشيء وهو يعقله بمعنى: حصره بإدراكه له عما لا يدركه ويفيده تمييزه له عن غيره مما لم يدركه، وهذا لا يصح في حق الله تعالى، فإذا كانت رتبة {يَعْلَمُونَ} زائدة على رتبة {يَعْقِلُونَ} ، وأخبر الله عن الكفار في سورة المائدة ، فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} فبين أنهم ادعوا رتبة العلم بصحة ما كان آباؤهم عليه لأنهم قالوا: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} ولفظة «حسبنا» تستعمل فيما يكفي في بابه ويغني عن غيره، فالمدرك للشيء إذا أدركه على ما هو به وسكنت نفسه إليه فذاك حسبه، فاستعمل لفظة {يَعْلَمُونَ} ونفى عنهم النهاية لأنهم ادعوها بقولهم {حَسْبُنَا} ، فكأنهم قالوا: معنا علم تسكن نفوسنا إليه مما وجدنا عليه آباءنا من الدين، فنفى ما ادعوه بعينه هو والعلم. والموضع الأول الذي في سورة البقرة لم يحك عنهم فيه أنهم ادعوا تناهيهم في معرفة ما اتبعوا فيه آباءهم، بل كان قوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} ولم يدعوا أن ما ألفوا عليه آباءهم كان كافيهم وحسبهم، فاكتفى بنفي أدنى منازل العلم لتكون كل دعوى مقابلة بما هو بإزائها مما يبطلها والسلام.
الآية الخامسة عشرة