قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} وقال في هذه السورة أيضا: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وقال في سورة الرعد: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} .
للسائل أن يسأل فيقول: «ما» في هذه المواضع بمعنى «الذي» فما الفائدة في إخراج بعضها على لفظ «الذي» ، وإيقاع الأخرى على لفظ «ما» ، وإدخال «من» على «بعد» في قوله: {مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} وهل بين قولك: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} وقولك: {بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} فرق وهل بين «الذي» وبين «ما» فرق؟
الجواب عن ذلك أن يقال تبين أولا: الفرق بين «الذي» وبين «ما» ليصح الفصل، ويظهر موضع كل واحد منهما والمعنى الذي يليق بهما: اعلم أن «ما» إذا كانت بمعنى:
«الذي» فإنها توافقها بأنها تبين بصلتها، وتخالفها بأشياء كثيرة، فتصير «الذي» متضمنة من البيان ما لا تتضمنه «ما» . فمن ذلك إنك تدخل على «الذي» أسماء الإشارة، فتكون «الذي» صفة لها كقوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ} وقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} فيكتنف «الذي» بيانان أحدهما: الإشارة قبلها والآخر: الصلة بعدها ولا يكون ذلك في «ما» لأنها لا يوصف بها كما يوصف «بالذي» ، لا تقول: أمن هذا ما هو جند لكم؟.
والثاني: أن «ما» تنكر فيجري ما كان صلة لها صفة تبينها، وليس ذلك في «الذي» وهو كقوله في الشعر: