إلا أن تسوِّل لكم أنفسُكم أَخْذه فتُحسِّن ذلك لكم ، وتعترض بشكه على يقينكم حتى تكاد الرغبة فيه تكرهكم عليه.
ويزيد فِي وضوح هذا المعنى لك ما روي عن الزهري أيضًا من قراءته:"إلا أن تُغَمِّضُوا فيه"أي: إلا أن تغمِّضوا بصائركم وأعين علمكم عنه ؛ فيكون نحوًا من قوله:
إذا تخازرت وما بي من خزر1
وهو معنى مطروق ، منه قول الله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} 2 ، وجاء به بعض المولدين فقال:
خالدَ اللُّؤْمِ أمغض أنت لا بل متغاضي
وآخرُ ذلك قول شاعرنا3:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى منها وما يُتوقع
ولمن يغالط فِي الحقائق نفسَه ويسومها طلب المحال فتتبع
وما أظرف الأول وأدمثه فِي قوله:
أبكي إلى الشرق ما كانت منازلها مما يلي الغرب خوف القِيل والقال
وأذكر الخال فِي الخد اليمين لها خوف الوُشاة وما بالخد من خال4
ومن ذلك قراءة الحسن:"اتقوا الله وذروا ما بَقِي من الربا"5 بكسر القاف وسكون الياء.
قال أبو الفتح: قد سبق ما فِي سكون هذه الياء المكسور ما قبلها فِي موضع النصب والفتح بشواهده ، ومنه قول جرير:
هو الخليفة فارضَوْا ما رضِي لكم ماضي العزيمة ما فِي حكمه جَنَفُ6
1 انظر الصفحة 127 من هذا الجزء.
2 سورة يوسف: 76.
3 هو أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكًا ، ويروى:"فتطمع"مكان"فتتبع". وانظر: الديوان: 1/ 406.
4 لابن الأحنف ، ورُوي:"منازلهم"مكان"منازلها"، و"فِي الخد"مكان"بالخد". وانظر: الخصائص: 3/ 316.
5 سورة البقرة: 278.
6 رُوي:
هو الخليفة فارضوا ما قضى لكم بالحق يصدع ما فِي قوله جنف
والجنف: الميل والجور. وانظر: الديوان: 390 ، والبحر المحيط: 2/ 337.