يلفظ واحد ، فجرى لذلك مجرى قوم عدل ورضًا ، ورجل عَدلٌ ورضا ، ورجلان عدل ورضا ، فأما أصلها فهو طغيُوت ؛ لأنها من الياء ، ويدل على ذلك قوله عز وجل: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون} 1 ، هذا أقوى اللغة فيها ؛ لأن التنزيل ورد به.
وروينا عن قطرب وغيره فيها الواو ، طغا يطغو طُغُوًّا ، وقد يجوز على هذا أن يكون أصله: طَغَوُوت ، كفَعَلُوت من غَزَوتُ: غَزَوُوت ، وأنا آنس بالواو فِي هذه اللفظة لما أذكره لك بعد. ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين ، فصارت بعد القلب طَيَغُوت أو طَوَغُوت ، فلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت فِي اللفظ ألفًا ؛ فصارت طاغوت كما ترى. ووزنها الآن بعد القلب فَلَعُوت ، ومثالها من ضربت: ضَرَبُوت ، ومن قتلت قتلوت ، هذا إلى هنا بلا خلاف.
وإذا جمع فصار طواغيت احتاج إلى نظر ؛ فأما على أن يكون من طغوت فلا سؤال فيه ؛ وذلك أن الألف على هذا كانت بدلًا من لام طغوت ، فلما احتاج إلى تحريك الألف المنقلبة عنها ردها إلى أصلها وهو الواو ، فقال: طواغيت ، ووزنها الآن فلاعيت ، ولو جاءت على واجب أصلها لكان طغاويت أو طغاييت ، كقولك فِي ملكوت لو كسرتها: ملاكيت ، ولو قلبت الواحد على حد قلب الطاغوت لقلت: مكلوت ، وإن جمعت على هذا - أعني مقلوبًا - قلت: مكاليت ، هذا على أن لام طاغوت واو ، ماض منقاد على ما تراه.
لكن مَن ذهب إلى أن لام طاغوت ياء وجب عليه أن يجيب عن قلب الألف من طاغوت واوًا فِي قولهم: طواغيت ، وكان قياسه على الطغيان أن يكون طياغيت.
والجواب: أن طاغوتًا وإن كان من ط غ ى فإنه بعد نقله وقلبه قد صار كأنه فاعول ، فلما كسر قلبت ألفه واوًا كما تقلب فِي نحو تكسير عاقول وعواقيل2 ، وراقود3 ورواقيد ، وهذا الشبه اللفظي كثير عنهم فاشٍ متعالَم بينهم ؛ ألا تراهم قالوا: مررت بمالِكَ فأمالوا لشبهها بأَلف مالكٍ ، وقالوا: طلبتا وعتَتا4 ، فأمالوا لشبه"28ظ"آخره بألف سكرى وبشرى؟ فكذلك شبهوا ألف طاغوت بألف جاموس وعاقول.
وحكى يونس فِي تحقير الناب نويب ؛ وذلك أنه حمل الألف هنا إذا كانت عينًا على أحكام ما يكثر ؛ وهو قلب العين عن الواو فِي غالب الأمر ، وهو: باب ودار وساق ونار ، فقال:
2 العاقول: نبت ، ويطلق أيضًا على معظم البحر وغيره.
3 الراقود: دن كبير أو طويل الأسفل يسيع داخله بالقار.
4 قال سيبويه:"سمعنا بعضهم يقول: طلبتا وطلبنا زيد ؛ كأنه شبه هذه الألف بألف حبلى ؛ حيث كانت آخر الكلام ولم تكن بدلًا من ياء". الكتاب: 2/ 263.