وذلك عيب فيه لا ثناء عليه ، والباب فيه فاشٍ واسع ؛ فقد صح إذن أن ما جاء من الأعلام وفيه لام التعريف فإنما ذلك لما فيه من معنى الفعل والوصفية ، ثناء عليه كان ذلك أو ذمًّا له ، وإنما دعا الكُتَّاب ونحوهم إلى أن قالوا: إن دخول اللام هنا إنما هو لمعنى المدح أن كان أكثره كذلك ؛ لأنه إنما العرف فيه أن يسمى من الأسماء الحاملة لمعاني الأفعال مما كان فيه معنى المدح ، لا أن هذا مقصور على المدح دون الذم عندنا لما ذكرنا.
ومن ذلك ما روى ابن مجاهد عن الزِّمْل بن جَرْوَل قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن النَّفْر فقرأ:"فمن تعجل فِي يومين فَلَثْمَ عليه ، ومن تأخر فَلَثْمَ عليه"1.
قال أبو الفتح: أصله قراءة الجماعة: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} إلا أنه حذف الهمزة ألبتة ، فالتقت ألف"لا"وثاء"الاثم"ساكنين ، فحذف الألف من اللفظ لالتقاء الساكنين ، فصارت"فَلَثْمَ عليه".
وقد مر بنا من حذف الهمزة اعتباطًا وتعجرفًا من نحو هذا أشياء كثيرة ؛ من ذلك قراءة ابن كثير:"إنها لَحْدَى الكُبَر"2 ،
فهذا فِي الحذف كقوله:"فَلَثْمَ عليه"، إلا أن بينهما من حيث أذكر فرقًا ؛ وذلك أن قوله:"لَحْدَى الكُبَر"إنما فيه حذف الهمزة لا غير ، وقوله:"فَلَثْمَ عليه"أصله"فلا إثم"، فلما حذف الهمزة تخفيفًا - وإن لم يكن قياسًا - التقت الألف مع ثاء إثم وهي ساكنة ، فحذفت الألف من"لا"لالتقاء الساكنين ؛ فصار"فَلَثْمَ عليه".
ومثل ذلك سواء مذهب الخليل فِي"لن"، ألا ترى أن أصلها عنده"لا أن"، فلما حذفت الهمزة التقت ألف"لا"مع نون"أن"فحذفت الألف من"لا"لالتقاء الساكنين ، وقد جاء نظيرًا لهذا من حذف الهمزة شيء صالح الكثرة ؛ منه قوله:
إن لم أُقاتل فالبسوني برقعا3
أراد: فألبسوني ، ثم حذف الهمزة.
وأنشد أبو الحسن:
تَضِبُّ لِثَاتُ الخيل فِي حَجَراتها وتسمع من تحت العجاج لَهَزْمَلا4
1 سورة البقرة: 203.
2 سورة المدثر: 35 ، وفي البحر المحيط 8/ 378:"قرأ نصر بن عاصم وابن محيصن ووهب بن جرير عن ابن كثير بحذف الهمزة ، وهو حذف لا ينقاس ، وتخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بين بين".
3 الخصائص: 3/ 151.
4 تضب لثات الخيل: تسيل بالدم ، وحجراتها: نواحيها ، والعجاج: الغبار ، والأزمل: الصوت. وانظر: الخصائص: 3/ 151.