وقد يمكن أيضًا أن يكون هار يهير من الواو فعِل يفعِل ، كرأي الخليل فِي طاح يطيح ، وتاه يتيه.
وليس يقوى أن يكون تيطوَّقونه يتفوعلونه ولا يتفعولونه ، وإن كان اللفظ هنا كاللفظ بيتَفَعَّل ؛ لقلته وكثرته.
ويُؤنِّس بكون يتطيقونه يتفعلونه قراءة مَن قرأ:"يَتَطَوَّقُونه"، وكذلك يُؤنِّس بكون يُطَيَّقُونَه يُفعَّلونه قراءة مَن قرأ:"يُطَوَّقُونه"، والظاهر من بعد هذا أن يكون يُفَيعلُونه.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير:"ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي1 يعني: آدم - عليه السلام - لقوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} 2."
قال أبو الفتح: فِي هذه القراءة دلالة على فساد قول مَن قال: إن لام التعريف إنما تدخل الأعلام للمدح والتعظيم ، وذلك تحو: العباس ، والمظفر ، وما جرى مجراهما. ووجه الدلالة من ذلك: أن قوله"الناسي"إنما يُعنى به آدم - عليه السلام - فصارت صفة غالبة كالنابغة والصَّعِق ، وكذلك الحارث والعباس والحسن والحسين ، هي وإن كانت أعلامًا فإنها تجري مجرى"25ظ"الصفات ؛ ولذلك قال الخليل: إنهم جعلوه الشيء بعينه ؛ أي: الذي حرَث وعَبَسَ ، فمحمول هذا أن فِي هذه الأسماء الأعلام التي أصلها الصفات معاني الأفعال ؛ ولذلك لحقتها لام المعرفة كما تعرف الصفات ، وإذا كان فيها معاني الأفعال ، وكانت الأفعال كما تكون مدحًا فكذلك ما3 تكون ذمًّا ، فهي تحقق فِي العلم معنى الصفة ، مدحًا كانت الصفة أو ذمًّا.
فالمدح ما ذكرناه من نحو: الحارث والمظفر والحسين والحسن ، والذم ما جاء فِي نحو قولهم: فلان بن الصَّعِق ؛ لأن ذلك داء ناله4 ، فهي بلوى ، وأن يكون ذمًّا أولى من أن يكون مدحًا ، ألا ترى أن المدح ليس من مَقَاوم ذكر الأمراض والبلاوي ، وإنما يقال فيه: إنه كالأسد ، وإنه كالسيف؟ ومنه عمرو بن الحمِق ، فهذا ذم له لا مدح ، وعلى أنهم قد قالوا فِي الحمق: إنه الصغير اللحية ، والمعنى الآخر أشيع فيه ، ألا ترى إلى قوله:
فأما كيس فنجا ولكن عسى يغتر بي حَمِق لئيم؟5
ومنه قولهم: فلان بن الثعلب ، فدخلته اللام ، هو علم لما فيه من معنى الخِبِّ والْخُبث ،
1 سورة البقرة: 199.
2 سورة طه: 115.
3 ما زائدة.
4 فِي ك: ياله.
5 انظر: الكتاب: 1/ 478.