وقال مالك إن المراد بها مطلق الصدقة ، والأول جرى عليه أكثر العلماء والمفسرين ، إذ لا نهي فِي الآية عن التصدق بالرديء ، وهو مخصوص بصدقة الفرض.
قال عبيدة السلماني سألت عليا كرم اللّه وجهه عن هذه الآية فقال نزلت فِي الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية ، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه الرديء ، فقال تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)
إلخ ، وقال بعض المفسرين نزلت فِي أناس من الأنصار كانوا يتصدقون بأردأ تمرهم على أهل الصفة فنهاهم اللّه عن ذلك ، وأعلمهم بأنهم لو كانوا هم الآخذين لم يأخذوه إلا عن إغماض وحياء فكيف يعطونه ؟ وعليه فإن التصدق بالحرام لا يجوز لأنه أخبث من الرديء.
روى الأثرم فِي سننه عن عطاء بن السائب قال: أراد عبد اللّه ابن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طليحة من الخضراوات صدقة ، فقال له موسى ليس لك ذلك إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول ليس فِي ذلك صدقة ، وهذا الحديث من أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله وهو دليل من قال إن هذه الآية نزلت فِي الزكاة المفروضة ، ومن قال إنها فِي صدقة التطوع استدل بما أخرج فِي الصحيحين عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة.
وهذا ليس بشيء وإن كان الحديث صحيحا لأنه لا يدل على أن هذه الآية نزلت فِي صدقة التطوع ، وتفيد الآية الأخيرة هذه وهي العاشرة من آيات الصدقة المشار إليها فِي الآية 261 إلى أن اللّه تعالى يعلم برّكم ونفقاتكم ونذوركم وأن من لم يوف بها فهو ظالم لنفسه التي أمر بتطهيرها وتزكيتها ، وفيها وعيد وتحذير وتهديد لمن لم يوف بنذره لأنه هو الذي أوجبه على نفسه فصار من قبيل العهد ، وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء به كما مر فِي الآية 152 من سورة الأنعام فِي ج 2 ، وما أشير إليه فيها من المواضع.