عنها فكأنها خربت ، وفي هذا التأويل صرف الحقيقة إلى المجاز ، والعدول إلى خلاف الظاهر وهو وجيه ، إلا أن سياق الآية ينافيه ، وعدم سبق الذكر يبعده ، لأن هذه الحادثة فِي مكة ، ولم يقل أحد بمكية هذه الآية ، على أن كلا من الحوادث الثلاث صالحة لسبب النزول لو كانت منطبقة عليها ، وقد ذكرنا غير مرة أن تعدد الأسباب جائز ، أي بأن تكون آية واحدة لعدة حوادث وأسباب كثيرة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) ، إذ لا مانع من تعدد أسباب النزول ، ولكن الأولى أن يكون فِي حق اليهود خاصة ، وذلك لما حولت القبلة إلى الكعبة شق عليهم فصاروا يمنعون الناس من التوجه إليها ويحملونهم على تخريب الكعبة وسعوا فِي تخريب مسجد الرسول فِي المدينة ، فعابهم اللّه تعالى وبين سوء طريقتهم التي سلكوها فِي ذلك ، لأن الآيات السابقة جاء سياقها بالتشنيع على أفعالهم ، والآية الآتية كذلك ، فكونها فيهم أولى ، لأن المشركين لا بحث فيهم قبلها ولا بعدها.
قال تعالى"وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ 15"
نزلت هذه الآية فِي جماعة لم تتبين لهم القبلة فصلوا جهة تحريهم ، ثم بان خطؤهم ، فأخبروا حضرة الرسول فنزلت.
وهذه الآية كالإرهاص فِي تبدل القبلة ، لأنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس.
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يسبّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ وكان ابن عمر يفعله.
وفي رواية لمسلم كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت دابته فيه ، وفيه نزلت الآية ، وفيها إيماء أيضا إلى اليهود بأنهم مهما سعوا فِي خراب المسجد فلن يستطيعوا أن يسعوا فِي تعطيل عبادة اللّه تعالى ، لأنها لا تتوقف على المسجد بل يمكن تأديتها فِي أي مكان كان ، وإلى أي جهة كانت.