روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول:
يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى بالنار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار فِي الرحى ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه.
وروى البغوي بسنده عن أنس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء خطباء أمتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون.
وهذا مما يؤيد أن هذه الآية عامة فِي كل من هذه صفته ، وان خصوصها فِي علماء بني إسرائيل لا يمنع عمومها وشمولها لغيرهم ، وقيدها بهم لا يحول دون إطلاقها ، لأن العبرة دائما لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، فعلى العاقل إذا أراد أن يسمع قوله ويقتدى بفعله أن لا يخالفها ، إذ يصير محلا للانتقاد فِي الدنيا والعذاب بالآخرة ، ولا يعمل لأجل الناس أو لإرضائهم ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم: من أرضى اللّه بسخط الناس كفاه اللّه شرهم ، ومن أحسن فيما بينه وبين اللّه أحسن اللّه فيما بينه وبين الناس ، ومن أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته ، ومن تحمل لآخرته كفاه اللّه أمر دنياه.
وعلى الإنسان أن يحسّن ما يخرج من لسانه ويلين جانبه ، ويحلم عند الغضب ، ويجتنب الحدّة مهما استطاع ، فمن أكبر الشوائب وأفحش المصائب أن يكون المرء بذيء اللسان ، شرس الطباع ، خشن الجانب ، سيء الآداب ، تأخذه ثورة الغضب لأقل إساءة ، والغضب يقبح صورة الغضبان ، ويثلم دينه ، ويعجل ندمه ، وتبدو منه بوادر الحدّة لأدنى إهالة ، وعلى الإنسان أن لا يغتر بحسنه وجماله وكمال هيئته دون أن يكون متحليا بعقل سليم وخلق مستقيم وعمل صالح ، وينظر إلى قول القائل: