{فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ:} وهو أن تبيت به ليلة التحريم، تصلّي الفجر بالغلس، ثمّ تقف فتحمد الله تعالى وتثني عليه، وتكبّر وتهلّل وتدعو إلى أن تسفر، ثمّ تدفع إلى منى قبل طلوع الشمس.
و {الْمَشْعَرِ الْحَرامِ} هو المزدلفة، كلّها موقف إلا بطن محسّر.
فإن لم تبت به ولم تقف ودفعت إلى منى على وجهك من غير عذر فعليك دم وحجّك تامّ. وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم ضعفة أهله إلى منى، وهو توقيت وليس بأمر بالوقوف بها.
و (الإفاضة) هي الدفع في السير، وكلام مفاض ومستفاض ومستفيض، أي: جار.
و (عرفات) اسم واحد على صيغة الجمع.
وإنّما سمّي ذلك الموقف عرفات لوقوف الناس واحتباسهم به، وقيل: لطيبه، وقيل:
لأنّ آدم اندفع من سرنديب وحوّاء من جدّة فالتقيا من هناك فتعارفا، وقيل: لأنّ جبريل عرّفه إبراهيم عليه السّلام ليقف هناك.
و (المشعر) : المعلم والموسم.
199 - {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ:} نزلت في افتراض الوقوف بعرفات.
وعن عطاء كانت قريش تفيض من جمع وهو المزدلفة ويقولون: إنّا خمس، لا يرون الإفاضة من الجبل، وغيرهم يفيضون من عرفات، فأمروا أن يفيضوا من حيث أفاض الناس.
و (ثمّ) بمعنى الواو كما في قوله: {ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ} [يونس:46] .
وقيل: الإفاضة من عرفات وجب من فحوى قوله: {فَإِذا أَفَضْتُمْ} وهذه الإفاضة من جمع إلى منى. (46 و) وهذا مخالف للإجماع.
وعرفات كلّها موقف إلا بطن عرنة.
والظاهر أنّ المراد بالناس غير الخمس، وقيل: آدم عليه السّلام، وقيل: إبراهيم عليه السّلام وحده، وقيل: إبراهيم ومن حجّ معه من الناس.
ومن أدرك الوقوف بعد الظهر إلى أن تمضي ليلة النّحر فقد أدرك الحجّ.
200 - {فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ:} متعبّداتكم بمنى، وقال مجاهد: ذبائحكم.
واختلفوا في تشبيه ذكر الله بذكر الآباء، قيل: من حيث التّوحيد، فكما لا يدّعي العاقل لنفسه أبوين فكذلك لا يدّعي إلهين. وقيل: من حيث إنّ الصبيّ يفزع في كلّ أموره إلى أبيه فكذلك المؤمن يجب أن يفزع إلى الله تعالى. وقيل: كان أهل الجاهليّة يقفون بين الجبل والمسجد ويذكرون آباءهم بصالح الأعمال، ويتفاخرون بذلك، فأمر الله سبحانه وتعالى أن يذكروه هناك بصفاته الحميدة، فإنّه أولى.
{أَوْ أَشَدَّ:} "بل أشدّ"، وقيل: (أو) بمعنى الواو.