والواو في قوله: {وَالْحَجِّ} إن كان للعطف فالأهلّة كلّها مواقيت للحجّ، وإن كانت للإشراك فستّة أشهر مواقيت الحجّ لا محالة، أشهر الحجّ وثلاثة قبلها؛ لأنّ إطلاق الشركة يقتضي المساواة.
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها:} نزلت في غير الخمس، والخمس قريش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس، فغير الخمس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم إلا أن يتسوّروا، أو ينقبوا ظهور الأخبية، وكانوا لا يسكنون تحت سقف، ويفيضون من عرفات، فدخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بعض إحرامه من باب بستان قد خرب وتبعه رجل من غير الخمس، فأنكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تركه نسكه برأيه من غير شرع لئلا يؤدّي ذلك إلى ترك الإفاضة من عرفات، فاحتجّ الرجل لدخوله بدخوله صلّى الله عليه وسلّم على طريقة من يرى الأمر حقيقة في الفعل كما في القول، فردّ عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قوله وقال: أنا أخمسي، فقال الرجل: إن كنت أخمسيّا فأنا أيضا أخمسي رضيت بهديك، فرفع الله الجناح عن ذلك الرجل لإرادته الخير وعفا عنه ونسخ عادة غير الخمس في هذه الخصلة، وجعل عادة الخمس (44 و) فيها شرعا للمسلمين كلّهم. وقال الزجّاج:
كان بعض من قريش ومن سائر العرب يكره دخول البيت من بابه تطيّرا إذا رجع من سفره خائبا. وقال أبو عبيدة: هو في ترك طلب البرّ من وجهه وطلبه من غير وجهه.
190 - {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:} نزلت في قريش عن ابن عبّاس، وذلك حين خاف المسلمون عام الصّلح أن لا يفي أهل مكّة بعهدهم، وكرهوا القتال في الحرم وفي الأشهر الحرم، فأنزل الله الآية ليعتقدوا القتال ولا يكرهوا.
{الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ:} يعني المقاتلة.
{وَلا تَعْتَدُوا:} بقتل النّسوان والصّبيان. وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم رأى عام الفتح امرأة مقتولة، فأرسل إلى خالد بن الوليد أن لا تقتل ذرّيّة ولا عسيفا. والآية غير منسوخة على هذا الوجه.
وأصل الاعتداء ههنا مجاوزة القتال في سبيل الله إلى القتال في غير سبيله، وقيل: هو قتال من لم يبلغه الدّعوة، وهي غير منسوخة على هذين أيضا. وقيل: هي مجاوزة القتال على وجه المجازاة إلى القتال على سبيل الابتداء، والآية منسوخة على هذا بآية السيف.
والمقاتلة مفاعلة من القتال. والقتال الحرب ومعاطاة القتل.
والاعتداء افتعال من العدو.