الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثمّ وجّه إلى الكعبة. وفي التاريخ ستّة عشر شهرا وثلاثة أيّام؛ لأنّه صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر، فأسند التاريخ إلى المحرّم، وكان التّحويل للنصف من رجب من السنة الثانية.
قيل: والسبب في ذلك أنّ الله تعالى لمّا أراد أن يردّ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم إلى قبلة أبيه إبراهيم، وأن يجمع القبلة والحجّ في دار واحدة، ويميز المخلصين من المنافقين جعل قلب نبيّه مريدا لذلك الأمر، ليكون إحداثه إكراما له، فذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لجبريل ما كان في نفسه من ذلك، فقال جبريل:
إنّما أنا عبد مثلك فاسأل ربّك، وكان صلّى الله عليه وسلّم يصلّي ويقلّب وجهه في السماء لا ينطق بما يريد مهابة ومحافظة لآداب النبوّة حتى أتمّ الله أمره، فأكرم عبده وأنزل.
ويجوز تمنّي ما يجوز في العقل كونه، كتمنّي تحريم الخمر وحجاب النساء، بخلاف تمنّي إباحة الظلم والفواحش وتحريم العدل والإحسان.
و (التّقلّب) لازم من التّقليب.
و (الوجه) : ما يواجه الإنسان به مع انضمام القرب إليه، وذلك من قصاص الناصية إلى أسفل الذقن، ومن الأذن إلى الأذن.
{شَطْرَ} : نحو.
{الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:} المحدق بالكعبة.
وإنّما أمرنا باستقبال الكعبة لا استقبال المسجد الحرام.
والحرام اسم من التحريم، كالحلال من التحليل.
وإنّما سمّي حراما لكونه حراما على الأفاقي (37 و) أن يدخله ابتداء غير محرم، أو على
كلّ أحد في جميع عمره مرّة.
وإنّما قال: {وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ليعلموا أنّه قبلتهم بالمدينة وبغيرها من البلاد، لا قبلة لهم غيره.
وإنّما لم يقل: فولّوا وجوهكم إليه، لرفع المشقّة إذ لو قال كذلك لوجب على الرجل أن يستقبله استقبالا لو سار على وجهه لصادف عين القبلة، فهذا أمر عسير.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:} علماء اليهود، تواطؤوا ولبسوا الأمر على غيرهم، وهم يعلمون أنّ التحويل إلى الكعبة حقّ من ربّهم لما قرؤوها في كتابهم.
وقيل: الهاء راجعة إلى المسجد الحرام؛ لأنّهم يعلمون فضيلته ويعرفون بها.
واللام في قوله: {لَيَعْلَمُونَ} للتأكيد والقسم.