وقيل: العرب تذكر المثل مجازا، وتريد به النّفس حقيقة، كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، ويقال: أمثلك يقول لمثلي، فيكون تقدير الآية على هذا: فإن آمنوا بما آمنتم به، هكذا يروى في قراءة ابن عبّاس ومصحفه.
{فِي شِقاقٍ:} في خلاف، قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما} [النساء:35] .
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ:} السّين بمنزلة (سوف) .
والكفاية: رفع المؤونة أو دفع المضرة. وفيه دلالة على نبوّة نبيّنا؛ لأنّه تعالى كفاه إيّاهم،
ومكّنه بعده قتل بني قريظة، وإجلاء بني النّضير، وأخذ الجزية من أهل نجران.
138 - {صِبْغَةَ اللهِ:} دين الله، ردّا على (الملّة) ، كأنّها تدلّ عليها.
وهو اسم من الصبغ، وهو تلوين الشيء ، سمّي بذلك لأنّه يؤثّر في المتديّن كالصبغ، قال الفرّاء: كانت النصارى إذا ولد لهم مولود جعلوه في ماء لهم، يعدّون ذلك تطهّرا لهم كالختان.
وقيل: كانت النصارى تصبغ أولادها بماء لهم أصفر، يريدون أنّه يصير بذلك نصرانيّا خالصا، ويقولون للمرتدّ: إن ارتددت فانصبغ بهذا الماء.
{وَمَنْ أَحْسَنُ:} استفهام بمعنى الإنكار، معناه: ليس أحد أحسن.
{مِنَ اللهِ صِبْغَةً:} "دينا".
وممّا قام مقام الصبغ: {سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29] ، وورودهم على الحوض غرّا محجّلين من آثار الوضوء.
139 - {قُلْ أَتُحَاجُّونَنا:} استفهام بمعنى الزّجر والإنكار.
ومحاجّتهم تحتمل أوجها ثلاثة:
الأوّل: في ذات [الله] : كقولهم: {نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ} [المائدة:18] ، و {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة:64] ، و {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ} [آل عمران:181] ، و {ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ} [الأنعام:91] ، وإنّه {ثالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73] ، بأفواههم التراب.
والثاني: في دين الله: كقولهم: {كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى} [البقرة:135] ، وقولهم لعبدة الأصنام: {هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [النساء:51] .
والثالث: في الاختصاص برحمة الله: كقولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى} [البقرة:111] ، و {لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران:75] .
والذي يبعد محاجّتهم إقرارهم بأنّ الله ربّهم متفرّد بالقدم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يجازي كلّ عامل بعمله.