و (أم) ههنا بمعنى (بل) ، كقولك: إنّها لإبل أم شاء. والدليل على أنّه منقطع لم يسبقه في بابه استفهام فيكون بمعنى (أو) على جهة النسق. إلا أنّ بين (بل) وبين (أم) فرقا؛ لأنّ ما يلي (بل) يقع مقطوعا به، وما يلي (أم) يقع موهوما. ويحتمل أنّ المراد بقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ:}
ألم تعلموا؟ فيكون (أم) متّصلا مردودا على ألف الاستفهام.
{وَمَنْ:} بمعنى (الذي) ، وفيه معنى الشرط؛ لأنّه جزم الفعل واقتضى الجزاء، نظيره: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ} [الأحزاب:31] ، و {مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} [طه:74] .
{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ:} [بعد الإيمان] ، والتّبدّل: اتّخاذ البدل، كما أنّ التّزوّد اتّخاذ الزّاد.
{سَواءَ السَّبِيلِ:} قصدها. والمراد بالسّبيل النّهج.
109 - {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:} قيل: سبب نزولها قول حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب وكعب بن الأشرف لحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر بعد يوم أحد شامتين:
أما رأيتم ما أصابكم فارجعا إلى دينكما الأوّل، قال أحدهما: إنّي عاهدت الله أن لا أكفر بمحمّد، وقال الآخر: الله ربّي والقرآن إمامي ومحمّد رسولي. وقيل: هي عامّ.
والكثير ضدّ القليل.
{كُفّاراً:} نصب على القطع؛ لأنّه جاء بعد تمام الكلام، وعند البصريّين نصب على الحال.
{حَسَداً:} "مفعول له"، فانتصب بنزع الخافض. والحسد أن لا تؤهل ذا نعمة لها.
وإنّما قال: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} لتأكيد وصفهم بالعدوان، وأنّه لا وجه لحسدهم عند غيرهم.
{مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ:} من نعت نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم في ما قبل، وظهور معجزاته في الحال.
{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا:} أحدهما قريب من الآخر في الاستعمال إلا أنّ أصل الصفح من الإعراض.
وهذا الحكم منسوخ بآية السيف، وقيل: منسوخ بحكم قتل بني قريظة وإجلاء بني النّضير، وهو الأصحّ.
110 - {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:} الألف واللام في (الصلاة) و (الزكاة) للجنس. وهما مجملان، وتفسيرهما ما ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الصلاة على المكلّف في اليوم والليلة خمس أوّلها الظهر من حين تزول الشمس إلى دخول وقت العصر إلى الغروب، ثمّ المغرب إلى العشاء، ثمّ العشاء إلى طلوع الفجر، ثمّ الفجر إلى طلوع الشمس.