النوع الأوّل: تلبيس على الأفهام، وهو اللحن المذموم، والمعاريض المذمومة، قال الله تعالى في المنافقين: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمّد:30] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ من البيان لسحرا) ، وكذلك ذمّ المتفيهقين المتشدّقين.
والنوع الثاني: تلبيس على الإحساس بالنيرنجات والتمويهات قال الله تعالى: {فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى} [طه:66] .
والنوع الثالث: تأثير في الأجساد بالفساد، وهو بالطبّ أو بمطاوعة الجنّ، قال الشاعر: [من الوافر]
وإنّك لا تبالي بعد حول...أسحرا كان طبّك أم جنونا
وفي حديث بئر أروان قال أحد الملكين: طبّ الرجل، فقال آخر: من طبّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهوديّ. وممّا يختصّ به من علم الأطبّاء علم الخواصّ. وكذلك الجنّيّ يمس فيضرّ بالنفس في طاعة وليّه من الإنس، كما قال صلّى الله عليه وسلّم في الطاعون: (هو وخز أعدائكم من الجنّ) ، وقال في دم الاستحاضة: (هو ركضة من الشيطان) . فهذه الأنواع الثلاثة ممّا يجوز أن
يبتلى بها كلّ أحد من الناس، الأنبياء وغيرهم، إذ النبيّ يفارق غيره في حكم العقل والقلب دون النفس.
والنوع الرابع: تأثير في العقول والصدور بالخيال والعرف، وهو بالطبّ أو بمطاوعة الجنّ أيضا، والأنبياء مصونون عن هذا النوع، معصومون بعصمة الله، لا يضرّهم منه شيء . والكلّ لا يؤثّر إلا بإذن الله تعالى ومشيئته.
وحكم الساحر أن يقتل إن كان يقتل بسحره، وهذا الشرط مرويّ عن أبي يوسف، وكذلك إن كان سحره كلمة كفر أو اتّخاذ معبود، وكذلك إن استحلّ شيئا من السحر قليلا أو كثيرا إمّا هو كفر في نفسه أو غير كفر؛ لأنّه مقطوع الحكم بتحريمه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فإذا استحلّه كفر فوجب قتله.
والحكم فيما عدا هذه الأوجه الثلاثة الإنذار والنكال.
و (اتّبعوا) : افتعال من تبع يتبع.
(ما تتلو) : مستقبل بمعنى الماضي.
{عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ:} (على) بمعنى (في) ، كانت الشياطين تقرأ السحر فيتلقّى منهم مردة الإنس. وقيل: تقديره: على عهد ملك سليمان.
وزعموا أنّه كان يضبط أمره بالسحر، واستخرجوا من تحت سريره كتابا من السحر كتبوها بأيديهم، ويروى أنّ سليمان عليه السّلام دفنه توهينا وإبطالا فسمّوه كنزا، فبرّأه الله ممّا قالوا على لسان نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم.