{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:} عند البعث للمجازاة. وقيل: ثمّ يحييكم وقت السؤال في القبر ثمّ إليه ترجعون عند البعث للمجازاة.
(ثمّ) حرف عطف على سبيل المهلة والتراخي.
29 - {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:} يدلّ على أنّ جميع ما في الأرض من الأجساد مخلوق الله تعالى، ويدلّ على أنّ الأشياء على الإباحة في الأصل ما لم يكن في تناوله إضرار بخلق الله تعالى، والتحريم يثبت بالشرع.
{ثُمَّ اسْتَوى:} عمد وقصد، كما يقال: فرغ الأمير من بلد كذا واستوى إلى بلد كذا. قال ابن عبّاس: صعد أمره.
{السَّماءِ:} لفظه لفظ الوحدان ومعناه معنى الجمع، فجمع ما بعده على المعنى.
ويجوز أن يكون واحدا يراد به الجنس، كما يقال: كثر الدّرهم والدّينار في أيدي الناس.
ويجوز أنّه أراد بالجمع نواحيها، كما يقال: ثوب أخلاق.
ويحتمل أنّه كنّى عمّا لم يسبق ذكره، كقوله: {إِنّا أَنْزَلْناهُ} [القدر:31] .
وفي الآية دليل أنّ خلق الأرض وما فيها من الجماد مقدّم على تسوية السماوات. وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم عليهم السّلام. وأمّا قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها} [عبس:30] لا ينقض هذه الآية، يجوز أنّه بسطها بعد ما كانت ربوة مجتمعة الأجزاء، مضمّنة الأشياء، وقال مجاهد: (بعد ذلك دحاها) أي: مع ذلك دحاها، كقوله: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ} [القلم:13] ، {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم:4] . وقيل: (ثمّ) لا تقتضي تأخّر خلق السماء عن خلق الأرض؛ لأنّها تقتضي التراخي في الإخبار لا في المخبر عنها كقوله: {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف:11] .
{عَلِيمٌ} : عالم بخلقهنّ وغير ذلك. والعلم رؤية تنفي الجهالة.
30 - {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ:} نزلت في خزان الجنان، وهم ملائكة خلقوا من نار السّموم، وكان إبليس معهم، وكانوا يسمون الجن، وهذا في رواية الضحّاك والسّدّي عن ابن عبّاس، وأحدهما يزيد على الآخر. ويحتمل في شأن جميع الملائكة.
[التقدير:] واذكر إذ قال، وابتدأ خلقكم إذ قال.