انظر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ما شاء الله منتهى الطاعة؛ حتى وإن كان التكليف صعبًا؛ ليس ذبح بقرة من الأبقار، أو غنمة من الغنم، لا، إنه تكليف صعب فوق طاقة الإنسان، ومع ذلك قالوا:"مِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [البقرة: 285] ؛ يعني: يا ربنا اغفر لنا جرأتنا على رسولك، اعتراضنا على هذه الآية؛ فقد وقعنا في خطر وخطأ عظيم، اغفر لنا يا رب:"مِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"؛ لما كانت هذه الكلمة جليلةً جدًّا، وعظيمةً جدًّا عند الله تعالى، وكان هذا الموقف موقفًا إيمانيًّا لا مثيل له - سجَّله الله في القرآن تشريفًا لأصحابه، وذكرى طيبة عاطرة لأربابه الذين قاموا به صادقين أمام النبي عليه الصلاة والسلام، فصرنا نقرؤه إلى أن تقوم الساعة:"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [البقرة: 285] ، والدين يسر، وإن كان التكليف صعبًا سيأتي اليسر لا محالة، ولا يسر إلا بعد عسر، وبمجرد أن قالوا هذا، أنزل الله الوحي بنسخ الحكم الأول [21] ، وكأنه كان يختبر إيمانهم؛ أتقبلون أم تعترضون؟ فلما قبلوا، لم ينتظر عليهم؛ ليعملوا إنما فاجأهم وعاجلهم بالفرج، نزل قول الله تعالى:"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة: 286] إلى آخر الدعاء في السورة وختام السورة.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في معنى هذا التخفيف وهذه الرحمة الناسخة لما سبق، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ) ) [22] ؛ يعني: حديث النفس؛ هذا الخواطر عفا الله عنها، ما عدنا نحاسب عليها بحمد الله، بسبب إيمان وتصديق الصحابة واستسلامهم رضي الله عنهم، نزل هذا التخفيف عليهم، ولنا من بعدهم، جزاهم الله عنا خير الجزاء.