بنو إسرائيل كانوا قبلكم متنازلين أو معرضين عن شريعة الله، ولم يحملوها كما ينبغي، بل حرَّفوها وبدَّلوها واستهانوا بها، وأهانوا مَن بلَّغهم إياها من الرسل:"فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا" [الأحزاب: 26] ، هذا من الأنبياء يفعلون بهم هكذا: قتل وأسر.
الأمر الآخر أنتم أيتها الأمة الأخيرة أيتها الأمة الخيرة:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [آل عمران: 110] ؛ احرصوا على شريعة الله، فلا تضيعوها، ولا تُفوتوها، ولا تلقوها كما ألقاها بنو إسرائيل؛ إذا جاءكم الأمر، فقولوا: سمعنا وأطعنا، ولا تقولوا - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: سمِعنا وعصِينا.
هذا مع أن سورة البقرة مدنية، وسورة الفاتحة مكية، وسورة آل عمران بعدها مدنية؛ إلا أن سور القرآن كلها كالعقد الواحد متناسبةً؛ فإن سورة الفاتحة جاء فيها قول الله تعالى:"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" [الفاتحة: 6] .
فصل الله مضمون هذا الصراط في سورة البقرة، وماذا علينا أن نفعل؟ حتى ذكر لنا القبلة التي نتوجه إليها؛ الصلاة التي نؤديها، الصيام، الحج، القصاص، المحرم من الربا، أحكام النساء، أحكام اجتماعية، وأحوال شخصية في الطلاق ونحو ذلك، فصل الله:"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" [الفاتحة: 6] ، وبالتالي فهذا تفسير لقوله أيضًا:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: 5] .
في سورة البقرة تفصيل آخر لشيء ورد في سورة الفاتحة مجملًا، تقول دائمًا في سورة الفاتحة - وأنت تقرؤها:"صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" [الفاتحة: 7] ، فذكر الله لك في أول السورة أول فريق:"هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ..." [البقرة: 2، 3] إلى آخره:"أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [البقرة: 5] ، وذكر المغضوب عليهم - وهم اليهود - وفصَّل القول فيهم، كما قلنا على طول السورة بجرائمهم الكثيرة المتعددة.