هذا إذا لم يجعله الله داعياً إليه، فإن أنعم الله عليه بعلم زائد عنه أو بحال زائد عنه فعليه أن يخالط من يقصده للعلم، أو للتربية والنصيحة؛ فإنه مسؤول عن فضل علمه ومعرفته.
ومهما لم يكن في تلك الناحية من يقوم عنه بهذا المنصب، وكان في الناس بقية يرجعون إلى الدين ولو في بعض المسائل، فليس له أن يسكن غاراً بعيداً عنهم، ولا يَسُوح في البلاد ويتركهم.
نعم، له أن يلزم البيت ويكون حِلْساً من أحلاس بيته إذا كان بيته معروفاً؛ لأن المحتاج إليه يهتدي به بقصده حينئذ، وله الاحتجاب عن من يسأله لا لطلب الدين، بل ليتعلم منه الجدال والخصومات في غير حق، أو يستعين بعلمه على حيلة، أو رخصة، أو نحو ذلك.
وكذلك له أن يمتنع من تعليم من هذا حاله أو يعلم منه أنه يريد تولية القضاء.
نعم، إن قصده قاضٍ يريد أن يرجع إلى قوله في الحق ويعمل به أفاده، فإن أراد أن يتعلم منه ما يتوصل به إلى منع حق وتوصل إلى رشوة لم يقبل عليه، ولم يفتح له باب الرخصة؛ فإنَّ أكثر القضاة في هذه الأزمنة جهال، وتعليم الجاهل صدقة، إلا أن يترتب على تعليمه جهل آخر أو معصية.
ومهما سمع بمنكر في ناحية وعلم أنه يُزَالُ بخروجه إلى إنكاره، ولا يحصل له بسبب ذلك ضرر، تعين عليه.
ولا تصلح سكنى الغيران والكهوف إلا لمن ليس له فضل علم يحتاج إليه غيره، أو كان ولكن ثَمَّ من يسد، وسدَّهُ فيه، ولا يرجو بمخالطته للناس زيادة علم إلى علمه، وخير إلى خيره، ولم يأمن على نفسه من فتنة في دينه لو خالط الناس، مع الأمن على نفسه في سكنى الكهوف من عدو، أو سَبُع، أو شيطان لتحصُّنٍ، أو حالٍ بالغٍ في التوكل والأُنس بالله تعالى.
فإن أمِنَ على نفسه من الفتنة بالمخالطة، وتوقع خيراً زائداً على ما عنده - وهو في هذا الزمان عزيز جداً، بعيد وجوداً - كانت الخلطة في حقه أفضل، وعليه يحمل ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية من سراياه قال: فمرَّ رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدَّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب مما حوله من البقل، ويتخلي من الدنيا.