وفي رواية الحاكم: وكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرَّعًا بيضًا سمانًا كأمثال المخاض، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومؤنة شديدة، فقال بعضهم لبعض، أو من قال ذلك منهم: لعلها لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت.
ففعل ذلك أهل بيت منهم، فأخذوا وشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء، فقالوا: ما نرى أصحاب بني فلان ليصيبوا بشيء.
فأخذها آخرون حتى فشى ذلك فيهم، وكثر فافترقوا ثلاثًا: فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [سورة الأعراف: 164] .
فقالت الفرقة التي نهت: إنا نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف، أو قذف، أو ببعض ما عنده من العذاب.
والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه، فخرجوا من السور، فغدو عليه من الغد، فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد، فأتوا سببًا فأسندوه إلى السور، ثمَّ رقى راق منهم إلى السور، فقال: يا عباد الله! قردة والله لها أذناب تعاوى - ثلاث مرات -.
ثمَّ نزل من السور، ففتح السور، فدخل الناس عليهم، فعرف القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة، فأتى القرد إلى
نسيبه وقريبه من الإنس، فيحك به ويلصق به، ويقول الإنسان: أنت فلان؟ فيشير برأسه - أي: نعم - ويبكي.
فيقول لهم الإنس: أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف، أو مسخ، أو ببعض ما عنده من العذاب.
قال ابن عباس: فاسمع الله تعالى يقول: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [سورة الأعراف: 165] ، فلا أدري ما فعلت الفرقة الثانية.
قال ابن عباس: وكم رأينا من منكر فلم ننه عنه.
قال عكرمة: ما ترى جعلني الله فداك إذ كرهوا حين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [سورة الأعراف: 164] ؟
فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما.
وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري أنجا الذين قالوا: لم تعظون قوماً أم لا.