فيذكره، فذكره هو جلَّ ذكره جزاء لذكره إياه هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
(فصل)
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قد تقدم أن الحمد جماع المدائح
كلها، والألف واللام في قوله جل قوله: (الحمد لله) للتعريف وللعهد، فالعهد
لتعريف الحمد الذي ينبغي لعز جلاله وعلي شأنه، والعهد معهود حمده في كتابه
الأزلي قبل البدء الأول في الدهر الداهر حيث لا حامد ولا محمود سواه.
ثم أظهر - عز وجل - خلقه فأظهر في ذلك حمده وحمد الحامدين له في الأولى
والآخرة، فالمفهوم الأول بالأول هذه الحياة الدنيا، والمفهوم الأعظم أولية لا أولية
لها متصل بآخرية لا آخرية لها.
وقوله: (رَبِّ العَالَمِينَ) جميع ما خلق وذرأ وبرأ من شيء الذي عبر عنه بقوله
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) المعبر عنه بالجملة المسمى
بالعبد الكلي، له الحمد في ذلك كله أولاً وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
(فصل)
نحن وإن كنا نقول: إن الآيات أيضًا مثاني، إذ ينثني بعضها على بعض تلاوة
ومعنى، كما أن ما بين الدفتين قرآن عظيم، وكما نقول: إن القرآن كله ذكر.
قال الله - عز وجل -: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) .
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وقوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) .
كذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اللوح المحفوظ، وكتب في الذكر كل شيء ،
فكذلك يقول: إن ذكر أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته هو القرآن العظيم، وإن كان
القرآن كله عظيمًا، لكن هذا هو الأعظم والأعرق في الذكر.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل: أي العبادة أعظم درجة عند الله؟ قال:
"الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات"هكذا رواه أبو سعيد الخدري فيه قال: قلت له: يا
رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال:"لو ضرب الغازي في سبيل الله بسيفه"
الكفار حتى تنكسر ويختضب دمًا لكان الذاكر لله كثيرًا أفضل منه"."
وروى أبو الدرداء وغيره قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ألا أنبئكم بخير أعمالكم"