الكتاب عنوانًا لمسالك الحكم والأعذار والإمهال، وما كان لأجله العفو والمغفرة
والفضل إلى غير ذلك من أفاعيل الكرم والإحسان وجميل الفعال.
وفي أخرى فيما أنبأ به عن ذلك الكتاب العظيم:"إن رحمتي تغلب غضبي".
بينه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تزال جهنم يجعل فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى"
يضع الجبار فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط"أي: حسبي"
حسبي حسبي.
ومصداق تأويل ذكر القدم قوله عز جلاله:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ
قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)فتأويل القدم هنا ما قد قدمه في قدمة الأمر قوله:"إن"
رحمتي تغلب غضبي"."
أظهر ذلك في هذه الدار بغلبته إياها بفتحه من رحمته عز جلاله كلما طفت
سعيرها أو زمهريرها، وجعله الحسنة بعشر أمثالها والسيئة مثلها، وتكفيره بالحسنة
الواحدة عشر سيئات.
من ذلك أيضًا:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلذَّاكِرِينَ]) (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَهُوَ يهْدي السَّبِيل) .
فصلَ
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل: (قل هُوَ الله أَحد) "جزءًا"."
وفي أخرى:"فجعل سورة يس جزءًا".
ومصداق ما قاله - صلوات الله وسلامه عليه - من القرآن: قول الله جل ثناؤه:
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) .
وشاهد هذا في القرآن كثير جدًّا، إنما هو الله جل ذكره وأسماؤه وصفاته؛ ثم
الرسول وما جاء به من أمرٍ ونهي، ثم النظر والتفكر والتدبر والعبرة من شاهد إلى
غائب.
قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:"سورة يس قلب القرآن".
ومصداق ما قاله - رضي الله عنه -: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا
أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
وإنما تعقل القلوب إذا عملت عملها الذي أوجدت له من التفكر