وكذلك ختم سبحانه شؤونه مع خلقه من الوجه الكلّي بالحال الذي بدأهم بحكمه وهو الرضا فإنّه لمّا كانت الرحمة نفس الوجود - كما بيّنّا - ، كان وصفه الذاتي هو الرضا ، ولهذا قابله الغضب ، ووقعت بينهما المجاراة الشريفة التي ذكرها سبحانه ، ثم سبقت الرحمة الغضب ، وغلبته بالرضا الذي هو وصفها الذاتي لأنّه سبحانه لو لم يرض لنفسه من نفسه الإيجاد ، ولأعيان الممكنات الاتّصاف بالوجود الذي سمح به ورضيه لهم ، ما وجد ما وجد. وكون الرضا له مراتب كثيرة لا ينافي ما ذكرنا ، فصورة الرضا العامّة نفس الإيجاد وبذل الوجود لكلّ موجود ، ثم تعيّنت خصوصيّاته بحسب أحكامه ، وعددها مائة عدد ، عدد الرحمات ، فافهم.
فلا جرم كان آخر أحكامه الكلّيّة فِي السعداء من خلقه - كما أخبر - رضاه عنهم ، فلا يسخط عليهم أبدا ، فختم تعريفه لهم من الوجه الكلّي بما تعيّن لهم منه آخرا ، وهو المتعيّن أوّلا ، والسلام.
وختم آخر أحوالهم - من حيث هم - بالدعاء الذي هو السؤال ، وهو كان أوّل أحوالهم لأنّ أوّل أمر انصبغوا به حكم سؤال الحقّ نفسه بنفسه ، وتعلّق طلبه بكمالي الظهور والإظهار ، فسرى حكم ذلك السؤال فِي حقائقهم لكونهم إذ ذاك فِي عين القرب الذي هو عبارة من ارتسامهم فِي نفسه سبحانه ، فسألوا الإيجاد بألسنة الاستعدادات من حيث حقائقهم ، فكانت إجابة الحقّ لهم إيجادهم ، كما نبّهتك عليه فِي صدر الكتاب عند الكلام على سرّ البدء ، فختمت أحوالهم آخرا بالسؤال ، وكان ذلك بصيغة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، كما أخبر سبحانه بقوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنّ المقصود من السؤال الأوّل المذكور إنّما ظهر كماله حينئذ ، لا جرم تعيّن الحمد ، كالآكل والشارب ونحوهما إنّما شرع له التحميد إذا قضى وطره ممّا يباشره ، فافهم.