ثم إنّ الهيولى المجرّد عند أهل النظر لا يقبل القسمة عقلا ، وكذلك الصورة ، مع أنّه بحلول الصورة فِي الهيولى صارتا جسما ، وقبلتا القسمة ، فانقسم ما كان لذاته غير قابل للقسمة ، مع أنّه لم يحدث إلّا الاجتماع ، وهو نسبة كسائر النسب ، فافهم.
ثم إنّ الطبيعة - التي تولّد عنها ما تولّد - عبارة أيضا عن معنى مجرّد مشتمل على أربع حقائق تسمّى: حرارة ، وبرودة ، ورطوبة ، ويبوسة. وذلك المعنى يناسب كلّا من هذه الأربعة بذاته ، بل هو عين كلّ واحدة منها مع تضادّها ، ومع كونها - أعني الطبيعة - من حيث هي معنى جامعا للأربعة المذكورة. وهذه وجميع ما تقدّم ذكره عبارة عن معان مجرّدة لا يمكن ظهور شيء منها وإدراكه بمفرده ، ولا بدون الوجود فإنّ وجود الجميع أيضا من كونه وجودا بحتا لا يتعيّن بنفسه ، ولا يظهر من حيث هو فيدرك ، فإذا اجتماع هذه المعاني هو المستلزم لظهورها ، وإدراكها ، والاجتماع نسبة أو حالة لا وجود لها فِي عينها ، وما ثمّة أمر آخر يتعلّق به الإدراك ، وقد تعلّق فما هو؟ وكيف هو؟ وهذه صورتك التي من حيث هي أمكنك إدراك ما تدرك ناتجة عن الأصول المذكور شأنها ، وأجلّها الطبيعة ، فالصور ظهرت عن الطبيعة.
وإذا أمعنت النظر فيما ظهر عنها لم تلفه شيئا زائدا عليها ، ومع أنّ الذي ظهر ليس غيرها ، فليست من حيث معقوليّة كلّيّتها عين ما ظهر ، ولم تزدد بما ظهر عنها ولم تنتقص ولم تتميّز إذ ليس ثمّة غير فتميّز عنه لأنّ الذي ظهر عنها جزما ليس غيرها ، وهذا ما لا خفاء فيه ، فافهم.
وأمّا روحك الذي تزعم أنّه مدبّر لصورتك وكلّ ما يسمّى روحا فالحديث فيه أبسط وأطول ، وسرّه أخفى وأشكل ، وعن كنه ربّك فلا تسأل ، فقد منعت الخوض فيه وأويست فلا تطل فسر بعد وألق عصا التسيار
"فما بعد العشيّة من عرار"