وأمّا فصول هذه الآية فهي كالأجوبة لأسئلة ربانيّة معنويّة ، فكأنّ لسان الربوبيّة يقول عند قول العبد:"اهدنا الصّراط": أيّ صراط تعني ، فالصراطات كثيرة وكلّها لي؟ فيقول لسان العبوديّة: أريد منها المستقيم ، فيقول لسان الربوبيّة: كلّها مستقيمة من حيث إنّي غايتها كلّها ، وإليّ مصير من يمشي عليها جميعها ، فأيّ استقامة تقصد فِي سؤالك؟ فيقول لسان العبوديّة: أريد من بين الجميع صراط الذين أنعمت عليهم ، فيقول لسان الربوبيّة: ومن الذي لم أنعم عليه؟ وهل فِي الوجود شيء لم تسعه رحمتي ، ولم تشمله نعمتي؟ فيقول لسان العبوديّة: قد علمت أنّ رحمتك واسعة كاملة ، ونعمتك سابغة شاملة ، لكنّني لست أبغي إلّا صراط الذين أنعمت عليهم النعم الظاهرة والباطنة ، الصافية من كدر الغضب ومزجته ،
وشائبة الضلال ومحنته فإنّ السلامة من قوارع الغضب لا تقنّعني إذا لم تكن النعم المسداة إليّ مطرّزة بعلم الهداية المخلصة من محنة الحيرة وبيداء التيه ، وورطات الشبه والشكّ والتمويه ، وإلّا فأيّة فائدة فِي تنعّم ظاهري بأنواع النعم مع تألّم باطني بهواجم التلبّسات المانعة من السكون ، ورواجم الريب والظنون. هذا فِي الوقت الحاضر ، فدع ما يتوقّعه الحائر من اليوم الآخر ، فحينئذ يترتّب
ما ذكره صلّى اللّه عليه وآله عن ربّه أنّه يقول:"هؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل"
فاعرف كيف تسأل ، تنل من فضل الله ما تؤمّل.
صورة النعمة وروحها وسرّها
ثم اعلم ، أنّ لأصل النعمة المشار إليه صورة وروحا وسرّا ، فصورتها: الإسلام والإذعان ، وروحها: الإيمان والإحسان ، وسرّها: التوحيد والإيقان ، فحكم الإسلام متعلّقه ظاهر الدنيا. والإيمان لباطن الدنيا وباطن النشأة الظاهرة. والإحسان للحكم البرزخي ونشأته ، وإليه الإشارة فِي جواب
[سؤال] جبرئيل [عن] النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما الإحسان؟ قال: