ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْأَكْلَ مِنْ أَجْنَاسِ جَمِيعِ الطَّيِّبَاتِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا ، وَحَصَرَ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ، وَاسْتَثْنَى مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا فِي سِيَاقِ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ الْمُجْمَلَةِ لِإِبْطَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِيهَا الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ تَعَالَى بِتَحْكِيمِ الْأَهْوَاءِ ، وَقَفَّى عَلَى هَذَا كُلِّهِ بِوَعِيدِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، إِيذَانًا بِوُجُوبِ الدَّعْوَةِ وَبَيَانِ الْحَقِّ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ، وَتَحْذِيرًا مِمَّا وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ وَالتَّحْرِيفِ وَالنِّسْيَانِ لِحَظٍّ عَظِيمٍ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ .
وَخَتَمَ هَذَا السِّيَاقَ الْعَامَّ بِبَيَانِ أُصُولِ الْبِرِّ وَمَجَامِعِهِ فِي الْآيَةِ الْمُعْجِزَةِ الْجَامِعَةِ لِكُلِّيَّاتِ الْعَقَائِدِ وَالْآدَابِ وَالْأَعْمَالِ (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (177) إِلَخْ .
وَقَفَّى عَلَيْهِ بِسِيَاقٍ طَوِيلٍ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ بُدِئَ بِأَحْكَامِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلَى مِنَ (الْآيَةِ 178) وَانْتَهَى بِأَحْكَامِ الْقِتَالِ وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنْ أُمُورِ الِاجْتِمَاعِ
وَقَوَاعِدِهِ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ تَجْزِئَةِ الْقُرْآنِ الثَّلَاثِينِيَّةِ وَسَنَذْكُرُ أَنْوَاعَهَا .