عَلَيْهِ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (21: 107) وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلِ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ الَّتِي فَضَحَتْ آيَاتُهَا الْمُنَافِقِينَ ، وَبُدِئَتْ بِنَبْذِ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ ، وَشُرِعَ فِيهَا الْقِتَالُ بِصِفَةٍ أَعَمُّ مِمَّا أَنْزَلَهُ فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ أَحْكَامِهِ .
وَهَذَا الَّذِي شَرَحْنَاهُ يُفَنِّدُ زَعْمَ بَعْضِ الْمُتَعَصِّبِينَ الْغُلَاةِ فِي ذَمِّ الْإِسْلَامِ بِالْهَوَى الْبَاطِلِ أَنَّ رَبَّ الْمُسْلِمِينَ رَبٌّ غَضُوبٌ مُنْتَقِمٌ قَهَّارٌ ، وَدِينَهُمْ دِينُ رُعْبٍ وَخَوْفٍ ، بِخِلَافِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِي يُسَمِّي الرَّبَّ أَبًا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ يُعَامِلُ عِبَادَهُ كَمُعَامَلَةِ الْأَبِ لِأَوْلَادِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ شَيْخُنَا إِلَى هَذَا الزَّعْمِ وَفَنَّدَهُ فِي تَفْسِيرِ اسْمِ الرَّبِّ . وَسَنَذْكُرُ فِي فَائِدَةٍ أُخْرَى الْمُقَابَلَةَ بَيْنَ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَصَلَاةِ النَّصَارَى بِالصِّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ بِالصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّبَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا الرَّضِيعِ ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أَوْدَعَهُ فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ رَحْمَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَيَجِدُ الْقَارِئُ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي سَعَةِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (7: 156) مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
تَفْسِيرُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ