وَأَمَّا دَلَالَةُ صِفَتَيِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ فَظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ رَبَّ الْعِبَادِ هُوَ الَّذِي يُسْدِي إِلَيْهِمْ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِمْ وَرِزْقِهِمْ وَتَدْبِيرِ شُئُونِهِمْ مِنْ فِعْلٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى كَالْخَالِقِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ الْقَهَّارِ الْوَهَّابِ الرَّزَّاقِ الْفَتَّاحِ الْقَابِضِ الْبَاسِطِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ الْمُعِزِّ الْمُذِلِّ الْحَكَمِ الْعَدْلِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الْحَلِيمِ الرَّقِيبِ الْمُقِيتِ الْبَاعِثِ الشَّهِيدِ الْمُحْصِي الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ الْمَحْيِي الْمُمِيتِ الْمُقَدِّمِ الْمُؤَخَّرِ الْمُغْنِي الْمَانِعِ الضَّارِّ النَّافِعِ وَأَمْثَالِهَا . وَالرَّحْمَنُ فِي ذَاتِهِ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَوَّابًا غَفُورًا عَفُوًّا رَءُوفًا شَكُورًا حَلِيمًا وَهَّابًا .
إِذَا عَلِمْنَا هَذَا تَجَلَّتْ لَنَا حِكْمَةُ وَصْفِ اللهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ الدَّالَّتَيْنِ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ دُونَ الْحَيَاةِ وَالُقَيُّومِيَّةِ الدَّالَّتَيْنِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ وَغَيْرِهَا ، وَهِيَ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ - أَنَّ الْفَاتِحَةَ يُنْظَرُ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : مَا دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهَا هَذَا ؛ أَعْنِي كَوْنَهَا فَاتِحَةً وَمَبْدَأً لِلْقُرْآنِ (وَثَانِيهُمَا) : أَنَّهَا قَدْ شُرِعَتْ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنَاسِبُهُ الْبَدْءُ بِذِكْرِ رُبُوبِيَّةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ .