ثم أقول: والحضور المذكور المعرّف المعيّن بالعلم صور البواعث، وحكمه استجلاء المعلوم لا يتأخّر عنه الاستجلاء، سواء تعلّق العلم بالمعلوم حال الاستحضار أو كان معلوما من قبل، لكن منع من دوام ملاحظته غفلة أو ذهول عنه بغيره لإنّ حكم كلّ واحد من الحضور والغيبة لا يعمّ، بل لا بدّ للإنسان فِي كلّ حال من حضور مع كذا، أو غفلة عن كذا، ولا يظهر حكمهما إلّا بالنسبة والإضافة وهكذا الأمر فِي المبادئ والغايات إنّما تتعيّنان - كما قلنا - بحسب قصد القاصدين، وأوّليّات بواعث السائرين، وإلّا فكلّ غاية بداية لغاية أخرى هذه بدايتها، فأقوم الصراطات بالنسبة إلى كلّ قاصد غاية مّا يتوخّاها ويقصد التوجه إليها هو الصراط الأسدّ، الأسلم من الشواغب والآفات، الأقرب إلى تلك الغاية المقصودة له، أيّة غاية كانت، وكلّ صراط لا يكون كذلك، فهو عنده بالإضافة إلى الصراط المذكور معوّج غير مستقيم.
فظهر أنّ الاستقامة والاعوجاج أيضا، يتعيّنان بالمقاصد، فالأمر فيهما - كما فِي سواهما - راجع إلى النسب والإضافات فافهم، فقد أبنت لك الحقائق الأصليّة، والأسرار العليّة الإلهيّة منتظمة محصورة فِي أوجز عبارة، وألطف إيماء وإشارة، واللّه المرشد.
فصل فِي الهداية الموعودة
ومضمونها التنبيه على سرّ الدعاء المدرج فِي قوله تعالى: اهْدِنَا وعلى أشرف الأحوال التي ينبغي أن يكون الإنسان عليها سلوكا ووقوفا وسكونا وظهورا وبطونا، ما عدا الكمّل.
سرّ الدعاء والإجابة
فلنبدأ بسرّ الدعاء فنقول:"اهدنا"سؤال من العبد ودعاء، والسؤال والدعاء قد يكون بلسان الظاهر - أعني الصورة - وقد يكون بلسان الروح وبلسان الحال وبلسان المقام ولسان الاستعداد الكلّي الذاتي الغيبي العيني الساري الحكم من حيث الاستعدادات الجزئيّة الوجوديّة التي هي تفاصيله.