فافهم واستحضر ما نبّهنا عليه منذ قريب فِي سرّ الاهتداء، وتذكّره كلّيّا أوّليّا إليّا أزليّا، والحظ مبدئيّة الأشياء من الحقّ باعتبار تعيّنها فِي علمه، ثم بروزها بالإرادة، وقوله آخرا: وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ، وارق وانظر وتنزّه ولا تنطق، وأمعن التأمّل فِي قوله:
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعلم ما نريد - إن شاء اللّه تعالى - ثم نرجع إلى""
إتمام هذه القاعدة الكلّيّة الدوريّة. فنقول:
والبواعث وإن كانت تتعيّن بالعلم إلى منتهى الدائرة كما بيّنّا فقد تتعيّن أيضا بالنسبة إلى البعض بحسب فهمه أو شعوره أو تذكّره أو حضوره عن استحضار أو دون استحضار.
والحضور كيفما كان عبارة عن استجلاء المعلوم الذي هو عبارة عن صور تعقّلات العالم نفسه فِي علمه، بحسب كلّ حالة من أحواله الذاتيّة، واستجلائه ذاته من حيث هي، أعني من حيث أحواله.
والتذكّر والشعور والحضور والفهم سبب للانجذاب إلى ما دعت إليه ألسن الدعاة، ومحدث صفة الإجابة، وقوّة الجذب، وأثر الدعاء بحسب ما من الداعي فِي المدعوّ والجاذب من المجذوب، وبالعكس أيضا.
والإجابة والانجذاب ممّن هما صفتاه بحسب قوّة المناسبة والشعور، وغلبة حكم ما به الاتّحاد والاشتراك على ما به الامتياز.
وحاصل جميع ذلك تكميل كلّ بجزء، وإلحاق فرع بأصل، ليظهر ويتحقّق كلّ فرد من أفراد مجموع الأمر كلّه بصورة الجمع وحكمه ووصفه، والمنتهى - بعد صيرورة الفروع
أصولا بالتفسير المذكور، وظهور الواحد فِي تنوّعات أحوال ذاته أشخاصا وأنواعا وأجناسا وفصولا - زوال عين الأغيار، مع بقاء التمييز والاختلاف على الدوام والاستمرار، وهذا سرّ لا إله إلّا اللّه المشروع، فافهم وأظنّ أنّك لا تكاد تفهم.