اعلم، أنّ الاستقامة والاعوجاج فِي الطرق هما بحسب الغايات المقصودة، والغايات أعلام المبالغ والكمالات النسبيّة المسمّاة مقامات أو منازل ودرجات. وهي - أعني الغايات - تتعيّن بالبدايات، وبين البدايات والغايات تتعيّن الطرق التي هي فِي التحقيق أحكام مرتبة البداية التي منها يقع الشروع فِي السير الذي هو عبارة عن تلبّس السائر بتلك الأحكام والأحوال المختصّة بالبداية والغاية، جذبا ودفعا، وأخذا وتركا، فانصباغه بحكم بعد حكم، وانتقاله من حالة إلى حالة - مع توحّد عزيمته وجمع همّه على مطلوبه الذي هو قبلة توجّهه وغاية مبتغاه، واتّصال حكم قصده وطلبه بوجهته دون فترة ولا انقطاع - هو سلوكه ومشيّة هكذا، حتى يتلبس بكلّ ما يناسبه من الأحوال والأحكام، ويستوفيها، فإذا انتهى إلى الغاية هي وجهة مقصده، فقد استوفى تلك الأحوال والأحكام من حيث تلبّسه بها وتكيّفه بحسبها، ثم يستأنف أمرا آخر هكذا، حتى ينتهي إلى الكمال الحقيقي الذي أهلّ له ذلك السائر كائنا من كان.
ثم نقول: البدايات تتعيّن بأوّليّات التوجّهات، والتوجّهات تعيّنها البواعث المحرّكة للطلب والسلوك فِي الطرق، والطرق إلى معرفة كلّ شيء بحسب وجوه التعرّف المثيرة للبواعث، والبواعث تتعيّن بحسب حكم إرادة المنبعث فإنّ بواعث كلّ أحد أحكام إرادته، وشأن الإرادة إظهار التخصيص السابق تعيّن صورته ومرتبته فِي العلم، والعلم فِي نفس الأمر هو نور الحقّ الذاتي. وعلم الكمّل بالنسبة إلى الكمّل ومن شاء اللّه من الأفراد حصّة
من علمه سبحانه فإنّ من عرف الأشياء باللّه وحده، فله نصيب من علم اللّه لأنّه علم الأشياء - التي شاء الحقّ أن يعلمها - بما علمها به اللّه. والتنبيه على ذلك فِي الكتاب العزيز قوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ و
في الحديث"فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل"