ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال: وآثرهم بها من حيث إنه هو السبب فِي وصولهم إليها . ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث أنهم توصلوا إليها باجتهادهم . فمن قصد سلطاناً مسترفداً فأعطاه ، يصح أن يقال: إن السلطان خوله . ويصح أن يقال: فلان اكتسب بسعيه ، ولانطواء ذلك على الأمرين ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد: 17] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] . فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعا . وهذه الهداية يصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم ، ويصح أن يقال: هي محظورة إلا على أوليائه ، لما كان فِي إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها ، ومن ذلك قيل: إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الْإِنْسَاْن بشكل مخصوص ، بتقديم عبادات . وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلا البصير ، ولا يعمل به إلا اليسير . ألا ترى أن نجوم أسماء ما أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء . وقال بعض الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيلٍ مرّ على قِلات وغدران ، فيتناول كل قُلُتٍ منها بقدر سعته - ثم تلا قوله -: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] وقال بعضهم: هي كمطرٍ أتى على أرضين فينفع [فِي المطبوع: فينتفع] كلَّ أرضٍ بقدر ترشيحها للانتفاع به .