أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِأَلَّا نَعْبُدَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ لَيْسَتْ إِلَّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ فَيُعَظَّمُ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ، وَأَمَرَنَا بِأَلَّا نَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ أَيْضًا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَنَا أَيْضًا فِي آيَاتٍ أُخْرَى بِالتَّعَاوُنِ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (5: 2) فَمَا مَعْنَى حَصْرِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ تَتَوَقَّفُ ثَمَرَتُهُ وَنَجَاحُهُ عَلَى حُصُولِ الْأَسْبَابِ الَّتِي اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مُؤَدِّيَةً إِلَيْهِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ أَنْ تَحُولَ دُونَهُ وَقَدْ مَكَّنَ اللهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُوَّةِ مِنْ دَفْعِ بَعْضِ الْمَوَانِعِ وَكَسْبِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ، وَحَجَبَ عَنْهُ الْبَعْضَ الْآخَرَ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُومَ بِمَا فِي اسْتِطَاعَتِنَا مِنْ ذَلِكَ. وَنَبْذُلَ فِي إِتْقَانِ أَعْمَالِنَا كُلَّ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، وَأَنْ نَتَعَاوَنَ وَيُسَاعِدَ بَعْضُنَا بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ. وَنُفَوِّضَ الْأَمْرَ فِيمَا وَرَاءَ كَسْبِنَا إِلَى الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَنَلْجَأَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَنَطْلُبَ الْمَعُونَةَ الْمُتَمِّمَةَ لِلْعَمَلِ