فإذا قلت: ما ضربت إلا زيدا كنت نفيت الضرب عن غير زيد، وأثبته لزيد،
وهذا المعنى زائد على الاختصاص.
وإنما جاء هذا فِي (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) للعلم بأنه لا يعبد غير الله، ولا
يستعان بغيره، ألا ترى أن بقية الآيات لم يطرد فيها ذلك،"فإن قوله تعالى(أفغير"
دين الله يبغون) لو جعل غير دين الله يبغون فِي معنى ما يبغون إلا غير دين الله،
وهمزة الإنكار داخلة عليه، لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دين
الله، ولاشك أن مجرّد بغيهم غير دين الله منكر، وكذلك بقية الآيات إذا تأملتها، ألا
ترى أن (أفغير الله تأمرونّي أعبد) وقع الإنكار فيه على عبادة غير الله من غير
حصر، وأن (أبغي رَبًّا) غيره منكر من غير حصر، ولكن الخصوص، وهو غير الله
هو المنكر وحده، ومع غيره.
وكذلك (إياكم كانوا يعبدون) عبادتهم إياهم منكرة من غير حصر، وكذلك
قوله تعالى (آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر.
فمن هذا كله يعلم أن الحصر فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) من خصوص
المادة، لا من موضوع اللفظ. بل أقول: إن المصلي قد يكون مقبلا على الله
وحده، لا يعرض له استحضار غيره بوجه من الوجوه، وغيره أحقر فِي عينه من أن
يشتغل ذلك الوقت بنفي عبادته، وإنما قصد الإخبار بعبادة الله.
وأول ما حضر فِي ذهنه عظمة من هو واقف بين يديه فقال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)
ليطابق اللفظ المعنى، ويتقدم ما تقدم حضوره فِي القلب، وهو الرب سبحانه
وتعالى، ثم بنى على ما أخبر به من عبادته.
فمعنى اختصاصه بالعبادة اختصاصه بالإخبار بعبادته، وغيره من الأكوان لم
يخبر عنه بشيء ، بل هو معرض عنها.
وإذا تأملت مواقع ذلك فِي الكتاب والسنة، وأشعار العرب تجده كذلك، ألا
ترى قول الشاعر:
أَكُلَّ أمرِئٍ تَحَسَبِيْنَ أمرءًا... ونَارٍ تَوَقُّدُ بِالليلِ نَارًا