كان الأهمّ عنده أن يكافحهم، لأنهم على إفك وباطل فِي شركهم، ويجوز أن يكون
إفكا مفعولا به، يعني أتريدون إفكا، ثم فسر الأوّل بقوله (آلِهَةً دُونَ اللَّهِ) على أنها
إفك فِي أنفسها، ويجوز أن يكون حالا"."
فهذه الآيات كلها لم يذكر الزمخشري لفظ الحصر فِي شيء منها، ولا يصح إلا
في الآية الأولى فقط، والقدر المشترك فِي الآيات الاهتمام، ويأتي الاختصاص في
أكثر ها.
ومثل قوله تعالى (أَئِفْكًا آلِهَةً) قوله تعالى (أهؤلاء إيَّاكم كانوا يعبدون)
وما أشبههما لا يأتي فيه إلا الاهتمام، لأن ذلك منكر من غير
اختصاص، وقد يتكلف لمعنى الاختصاص فِي. ذلك كما فِي بقية الآيات، وأما
الحصر فلا.
فإن قلت: ما الفرق بين الاختصاص والحصر؟
قلت: الاختصاص افتعال من الخصوص، والخصوص مركب من شيئين:
أحدهما: عام مشترك بين شيئين، أو أشياء.
والثاني: معنى منضم إليه، يفصله عن غيره، كضرب زيد، فإنه أخص من
مطلق الضرب، فإذا قلت: ضربت زيدا، أخبرت بضرب عام وقع منك، على
شخص خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصا لما انضم إليه منك، ومن
زيد، وهذه المعاني الثلاثة: أعني مطلق الضرب، وكونه واقعا منك، وكونه واقعا
على زيد، قد يكون قصد المتكلم بها ثلاثتها على السواء، وقد يترجح قصده
لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما. ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل على
الاهتمام به، وأنه هو الأرجح لغرض المتكلم.
فإذا قلت: زيدا ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود،
ولاشك أن كل مركّب من خاص وعام له جهتان، فقد يقصد من جهة عمومه، وقد
يقصد من جهة خصوصه، فقصده من جهة خصوصه هو الاختصاص، وأنه هو
الأهم عند المتكلم، وهو الذي قصد إفادته للسامع من غير تعرض ولا قصد لغيره
بإثبات ولا نفي.
وأما الحصر فمعناه نفي غير المذكور، وإثبات المذكور، ويعبر عنه
ب"ما"، و"لا"، أو ب"إنما".