حكاه عن كليمه حيث قال: (إن معي ربي سيَهْدين) وكرر الضَّمير
للتنصيص عَلَى أنه المستعان به لا غير وقدمت الْعبَادَة عَلَى الاستعانة ليتوافق رءوس الآي
ويعلم منه أن تقديم الوسيلة عَلَى طلب الحاجة أدعى إلَى الإجابة وأقول لما نسب المتكلم
الْعبَادَة إلَى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادًا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله:(وَإيَّاكَ
نَسْتَعينُ)ليدل عَلَى أن الْعبَادَة أَيْضًا مما لا تتم ولا تستتب له إلا بمعونة منه
وتوفيق. وقيل الواو للحال. والْمَعْنَى نعبدك مستعينين بك وَقُرئَ بكسر النونا فيهما وهي لغة
بني تميم فإنهم يكسرون حروف الْمُضَارِعة سوى الياء إذا لم يضم ما بعدها).
قوله: (بيان للمعونة المطلوبة) هذا عَلَى تقدير كون الْمُرَاد بالاستعانة الاستعانة عَلَى أداء
الْعبَادَة كما يفصح عنه عبارة الكَشَّاف حيث قال الأحسن أن يراد بالاستعانة به وبتوفيقه عَلَى أداء
الْعبَادَة ويكون قوله اهدنا بيانًا للمطلوب من المعونة فيحصل بين الْكَلَام كمال الانتظام وهي
كلام الْمُصَنّف أَيْضًا إشَارَة إليه حيث قال أو إفرادا فإنه بناء عَلَى كون الْمُرَاد الاستعانة في جميع
المهمات فأراد بها هنا ما ذكرنا فإن قوله: (إياك نستعين) بعد قوله نعبد دل عَلَى
طلب الإعانة عَلَى الْعبَادَة التي نسبها العارف لنفسه وصار (اهْدنَا) (6) بيانًا للمعونة
المطلوبة واشتدت الملائمة بين الجمل الثلاث لكن هذا عَلَى تقدير كون الْمُرَاد بالصراط
المستقيم الحق مُطْلَقًا كأنه قال العابد وفقنا لكل حق وصواب في أداء الْعبَادَة والصلاة، وأما
إذا أريد به ملة الْإسْلَام فلم يكن الارتباط بتلك المثابة وعن هذا اختار الْمُصَنّف كون الْمُرَاد
به طريق الحق ومن هذا الوجه الْمُخْتَار يكون اهدنا في بابه ولا حاجة إلَى التأويل الذي
ارتكبه الْمُصَنّف فيما سيجيء. وبالْجُمْلَة إن طلب المعونة إما في المهمات كلها أو في أداء
العبادات، والْمُرَاد بالصراط المستقيم إما طريق الحق أو ملة الْإسْلَام فالاحتمالات أربعة وإذا
لوحظ كون المعونة ضرورية أو غير ضرورية يزداد الاحتمالات عَلَى أربعة فإذا أريد
الاستعانة عَلَى أداء الْعبَادَة وبالصراط المستقيم طريق الحق يحصل بين الْكَلَام أحسن الالتئام
كما مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى التمام وهذا ما اختاره الْمُصَنّف وما عداه من الاحتمالات الْمَذْكُورة وإن
وجد الارتباط بين الجمل الثلاث في الْجُمْلَة لكنه ليس بهذه المرتبة يعرفه من له سليقة وإن
نظر إلَى مجرد الارتباط بين الجملتين (وإياك نستعين) (اهدنا) يتحقق الالتئام التام في بعض الاحتمالات الْمَذْكُورة كما في الاحتمال الْمُخْتَار لكن الْكَلَام في الانضباط بين الجمل الثلاث، والْمُرَاد بالبيان الْمَعْنَى اللغوي لأنه جواب سؤال مقدر فيكون
اسْتئْنَافا معانيًا كما أشار إليه بقوله: (فكأنه قال) الخ.
قوله: (فكأنه) الفاء للتعليل الفاء ليس بمذكور في عبارة الكَشَّاف وهو الأولى، وَأَيْضًا
عبارة قيل كما في الكَشَّاف أحسن من لفظ قال وعبارة كأنه في غاية الحسن في المقال
وغرضه بيان مناسبة هذا الْكَلَام بما قبله بأنه جواب سؤال نشأ منه لا بيان اختيار الفصل
على الوصل فإن هذا إنشاء وما قبله خبر فلا يخطر بالبال عطف هذا المقال حتى يتصدى
لبيان وجه تركه واختيار فصله. نعم إذا عطف الإنشاء عَلَى الْإخْبَار يطلب له وجه الصحة
وأما تركه فعلى أصله فلا يرام له النُّكْتَة. انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 1/ 220 - 234} ...