والدرجة الثالثة: أن يعبد الله لكونه إلهاً وخالقاً ، ولكونه عبداً له ، والإلهية توجب الهيبة والعزة ، والعبودية توجب الخضوع والذلة ، وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات ، وهذا هو المسمى بالعبودية ، وإليه الإشارة بقول المصلي فِي أول الصلاة أصلي لله ، فإنه لو قال أصلي لثواب الله ، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته.
واعلم أن العبادة والعبودية مقام عالٍ شريف ، ويدل عليه آيات: الأولى: قوله تعالى فِي آخر سورة الحجر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين}
[الحجر: 97 99] والاستدلال بها وجهين: أحدهما: أنه قال: {واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين}
فأمر محمداً عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على العبادة إلى أنه يأتيه الموت ، ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة فِي شيء من الأوقات ، وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة ، وثانيهما: أنه قال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}
ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء: التسبيح: وهو قوله فسبح ؛ والتحميد: وهو قوله بحمد ربك ؛ والسجود: وهو قوله: {وَكُنْ مّنَ الساجدين}
والعبادة ؛ وهي قوله: {واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين}
؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب ، وتفيد انشراح الصدر ، وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق ، وذلك يوجب زوال ضيق القلب.