الفائدة الخامسة: اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها ؛ وثقل عليه الاشتغال بغيرها ، وبيانه من وجوه: الأول: أن الكمال محبوب بالذات ، وأكمل أحوال الإنسان وأقواها فِي كونها سعادة اشتغاله بعبادة الله ، فإنه يستنير قلبه بنور الإلهية ، ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة ، وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله ، وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية والدرجات البشرية ، فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإنسانية فِي الحال ، وهي موجبة أيضاً لأكمل السعادات فِي الزمان المستقبل ، فمن وقف على هذه الأحوال زال عنه ثقل الطاعات وعظمت حلاوتها فِي قلبه.
الثاني: أن العبادة أمانة بدليل قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات} [الأحزاب: 72] الآية وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ، بدليل قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات ؛ ولأن الأداء الأمانة أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني ؛ قال بعض الصحابة: رأيت أعرابياً أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء ، فتعجبنا ، فلما خرج لم يجد ناقته فقال: إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الراوي فزدنا تعجباً ، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه ، والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته ، وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس:"يا غلام احفظ الله فِي الخلوات يحفظك فِي الفلوات".