وأما موضع سورة الناس فقد اتفق القراء على قراءة الكلمة فيه بحذف الألف مع أنه لو قُرئت هذه الكلمة في هذا الموضع بإثبات الألف لكان ذلك سائغًا لغةً ومعنى، ولكن لم تُقرأ الكلمة في هذا الموضع بالإثبات لعدم ثبوت النقل فيه بالإثبات، فلو كانت القراءات بالرأي والاجتهاد لا بالتلقي والتوقيف، وكان تنوع القراءات تابعًا لرسم المصحف لم يكن اختلاف القراء مقصورًا على موضع الفاتحة؛ بل كان يتناول الموضعين الآخرين، لكنهم اختلفوا في موضع الفاتحة واتفقوا في موضعي آل عمران والناس، فدل هذا على أن القراءات لم تكن بالاختيار والاجتهاد، ولم يكن تنوعها تابعًا للخط والرسم، وإنما هو تابع للسند والرواية والنقل.
المثال الثاني: كلمة {غِشَاوَةٌ} .
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في موضعين:
الأول: في سورة البقرة في قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] .
الثاني: في سورة الجاثية في قوله تعالى: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] ، وهذه الكلمة مرسومة في جميع المصاحف العثمانية بحذف الألف بعد الشين في الموضعين معًا، ومع ذلك اتفق القراء على قراءتها في موضع البقرة بكسر الغين وفتح الشين وإثبات ألف بعدها، واختلفوا في قراءتها في موضع الجاثية، فقرأها بعضهم بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها (1) ، وقرأها بعضهم بفتح الغين وسكون الشين - من غير ألف - (2) ، ولو قُرئ موضع البقرة بفتح الغين وسكون الشين لكان ذلك صحيحًا لغةً ومعنى، ولكن لم يقرأ أحد بهذه القراءة في هذا الموضع لعدم ثبوتها فيه، وهذا يدل على أن القراءة إنما تُؤخذ بالمشافهة والسماع ولا تُؤخذ من خط المصحف ورسمه.
المثال الثالث: كلمة {الصَّاعِقَةُ} .
ذُكرت هذه الكلمة معرفة ومنكرة في القرآن الكريم في ستة مواضع:
الأول: في سورة البقرة {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 55] .
الثاني: في سورة النساء {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] .
الثالث والرابع: في قوله تعالى في سورة فصلت: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) } [فصلت: 13] .