وسرّ ذلك وتفصيله أنّ الرحمة رحمتان: رحمة ذاتيّة مطلقة امتنانيّة ، هي التي وسعت كلّ شيء ، ومن حكمها الساري فِي الذوات رحمة الشيء بنفسه وفيها ، تقع من كلّ رحيم بنفسه بالإحسان أو الإساءة بصورة الانتقام والقهر فإنّ كلّ ذلك من المحسن والمنتقم رحمة بنفسه ، فافهم. ومن حيث هذه الرحمة وصف الحقّ نفسه بالحبّ وشدّة الشوق إلى لقاء أحبّائه ، وهذه المحبّة بهذه الرحمة لا سبب لها ولا موجب ، وليست فِي مقابلة شيء من الصفات والأفعال وغيرهما وإليها أشارت رابعة - رضي اللّه عنها - بقولها:
أحبّك حبّين: حبّ الهوى وحبّا لأنّك أهل لذاكا
فأمّا الذي هو حبّ الهوى فذكرك فِي السرّ حتى أراكا
فأمّا الذي أنت أهل له فشغلي بذكرك عمّن سواكا
ولا الحمد فِي ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد فِي ذا وذاكا
فحبّ الهوى لمناسبة ذاتيّة غير معلّلة بشيء غير الذات. وأمّا حبّ أنّك أهل لذاكا فسببه المثمر له هو العلم بالأهليّة. ولهذه الرحمة من صور الإحسان كلّ عطاء يقع لا عن سؤال أو حاجة ولا لسابقة حقّ أو استحقاق لوصف ثابت للمعطى له أو حال مرضيّ يكون عليه هذا مطلقا.
ومن تخصيصاته الدرجات والخيرات الحاصلة فِي الجنّة لقوم بالسرّ المسمّى فِي الجمهور عناية ، لا لعمل عملوه أو خير قدّموه.
ولهذا ثبت كشفا أنّ الجنّات ثلاث: جنّة الأعمال ، وجنّة الميراث ، وجنّة الاختصاص.
وقد نبّه على جميع ذلك فِي الكتاب والسنّة ، وورد فِي المعنى: أنّه يبقى فِي الجنّة مواضع خالية يملأها اللّه بخلق يخلقهم لم يعملوا خيرا قطّ ، إمضاء لسابق حكمه وقوله تعالى:
"لكلّ واحدة منكما ملؤها".