وحبّة المجازاة وبذرة شجرتها ومنبع أنهارها هو ما سلف فِي باب الفواتح من أنّ الأعيان الكونيّة لمّا كانت شرطا فِي تعيّن أحكام الأسماء والصفات وظهور نسبة أكمليّتها فِي الوجود العيني بنفوذ أحكامها فِي القوابل ، ورجوع تلك الأحكام - بعد الظهور التفصيلي المشهود - إلى الحقّ على مقتضى معلوميّتها ومعقوليّتها باطنا فِي حضرة الحقّ ، اقتضى العدل والجود المحتويان أن عوّضت بالتجلّي الوجودي ، فظهرت به أعيانها لها ، ونفذ حكم بعضها فِي البعض بالحقّ ، جزاء تامّا وفضلا وعدلا شاملا عامّا ، فافهم هذا الأصل الشريف فإنّ جميع أنواع المجازاة الإجماليّة والتفصيليّة متفرّعة عنه وعن الأصل المتقدّم الذي بيّنت أنّه سبب التكليف ، وأنّ التكليف مجازاة أوجبها تقيّد الوجود بالأعيان على نحو ما مرّ ذكره ، فاذكر ، ترشد ، - إن شاء اللّه تعالى -
لسان جمع هذا القسم وخاتمته
لمّا كانت الفاتحة منقسمة بالتقسيم الإلهي ثلاثة أقسام ، وقد انتهى ما يسّر اللّه ذكره فِي القسم الأوّل منها ، وكان الوعد الإلهي قد سبق أن يكون خاتمة الكلام على كلّ آية قسما بلسان مقام الجمع والمطلع ، حان لنا أن نقبض عنان العبارة عن الخوض فِي هذا النمط بلسان البسط ، ونشرع فيما سبق الوعد بذكره ، فنقول باللسان الجمعي ، ونبدأ ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:
اعلم ، أنّ التسمية من كلّ مسمّ لكلّ مسمّى تنبيه عليه لمن هو مجهول عنده ، أو تذكير به إن كان ممّا قد علم المذكّر له ثم نسيه ، أو إظهار له من حيث صفة خاصّة أو حالة أو مرتبة أو زمان أو موطن أو المجموع.
وتسمية الشيء نفسه مع علمه بها تنبيه للغير ، أو ترهيب منه من حيث إنّه بمثابة أن يخشى ويحذر ، أو ترغيب للمنبّه فيما عند ذي الاسم من الأمور التي يتعذّر نيلها أو معرفتها ابتداء دون ذلك التنبيه أو ما يقول مقامه من المنبّهة.