مرجوح، لا يصار إليه إلا بدليل، فلا مفهوم حينئذ للقيد، لأنه لم يذكر للتقييد،
بل ذكر لغرض آخر، كأن يكون المراد مناقضة من أثبت ذلك الوصف، فقال:
جاءك رجل شاعر، فأردت التنصيص على نفي ما أثبته، وكان يراد التعريض، كما
إذا أردت فِي المثال المذكور أن تعرّض بمن قال: جاء رجل شاعر، وهذه هي
القاعدة التي يتخرّج عليها (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) فإن الإلحاف قيد فِي السؤال
المنفي.
والمراد من الآية - والله أعلم - نفي السؤال البتة، بدليل (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) والتعفف لا يجامع المسألة، ولكن أريد بذكر الإلحاف -
والله أعلم - التعريض بقوم ملحفين، توبيخا لهم على صنيعهم، أو التعريض
بجنس الملحفين، وذمهم على الإلحاف، لأن النقيض للوصف الممدوح مذموم.
والمثال المبحوث فيه يتخرّج على هذه القاعدة - فيما زعموا - فإن"فضلا"
مقيد للدرهم، فلو قدر النفي مسلطا على القيد اقتضى مفهومه خلاف المراد، وهو
أنه يملك الدرهم، ولكنه لا يملك الدينار، ولما امتنع هذا تعيّن الحمل على الوجه
المرجوح، وهو تسليط النفي على المقيد، وهو الدرهم، فينتفي الدينار، لأن الذي
لا يملك الأقلّ لا يملك الأكثر، فإن المراد بالدرهم ليس الدرهم العرفي، لأنه
يجوز أن يملك الدينار من لا يملكه، بل المراد ما يساوي من النقود درهما، فهذا
توجيه التخريج.
وأما الاعتراض عليه فمن جهة أن القيد ليس نفس الدينار، حتى يصير المعنى
لا يملك درهما فكيف ديناراً، وإنما القيد قولة"فضلا عن دينار"والكلام لم يسق
لنفي ملك الزائد على الدينار، بل لنفي ملك الدينار نفسه، ثم يلزم عن ذلك انتفاء
ملك مازاد عليه.
والذي يظهر لي فِي توجيه هذا الكلام أن يقال: إنه فِي الأصل جملتان
مستقلتان، ولكن الجملة الثانية دخلها حذف كثير وتغيير، حصل الإشكال بسببه.